أجرى معي صديقي الأستاذ بدر الحمري حوارا نشرته ناقصا إحدى الأسبوعيات الوطنية. هنا "الذيل والتكملة":
بداية، نـريدك أن تحدث قراء [أسبوعيتنا] عــن البدايات الأولى من عمرك في التحصيل الدراسي إلى حدود المرحلة الجامعية..
· إذن تريدني أن أكتب لك سيرة حياتي؟
ولم لا؟ بالمناسبة، هل سنقرأ لمحمد بــلال أشمل سيرة ذاتــــية قريبا ؟
· طيب أسيدي ..أنا الآن في مرحلة إعداد المعطيات الضرورية لكتابة "سيرة دراسية" تشمل مرحلة التحصيل الدراسي في المرحلتين الابتدائية والثانوية وبعضا من "أيام المسيد" المجيدة. المشروع سينجز بتعاون مع بعض أساتذتي الكرام في كلتا المرحلتين ممن تربطني بهم أواصر الصداقة والاحترام والتقدير، وأيضا مع بعض أصدقاء الدراسة ممن قدر لي أن أتصل بهم في تطاون أو خارجها. أما المرحلة الجامعية فستكون ضمن مشروع "سردي" موسع. وإذا سمحت لي باستعارة عبارة أبي الوليد في "بداية المجتهد" مع تحويرها قليلا لقلت: وإن أنسأ الله في العمر فسنضع كتابا في الترجمة الذاتية والغيرية على مذهب فريد مرتبا ترتيبا صناعيا على حسب المراحل الوجودية من الحياة الشخصية. وكيفما كان الأمر، أستطيع أن أقول لك إني كنت محظوظا جدا أن درست في تطاون وفاس والرباط ومدريد. وأعتبر أن مرحلة التحصيل العلمي التي ابتدأت في مسيد بحومة "البطحاء" على يد الفقيه الفاضل عبد الرحمان الفتوح بارك الله في عمره لم تنته إلى الآن ، وإنما هي رحلة ممتدة أفقيا وعموديا وسيكون من المفيد في نظري التأريخ لها لاسيما مرحلة فاس الأساس التي كان لها عظيم الأثر في حياتي العلمية والشخصية.
كـــيف تـتذكر أول نص نشر لك ؟
· أتذكره بعظيم الفرحة، وواسع الأمل، وكبير الأسى ؛ فأما الفرحة فقد هيأ لي نشر أول مقال لي عام 1982 بجريدة "الرسالة" التي كانت تصدر بالرباط ويديرها المجاهد أبو بكر القادري، مكانة اعتبارية وسط أقراني في قسم السادسة ثانوي ولدى هيئة إدارة ثانوية الشريف الإدريسي بتطاون حيث ضمنت بين أظهرهم لقب "الكاتب" و "الصحافي" طوعا وكرها، بعد أن سرت فيهم بسيرة "المناضل الثوري" المعتمر للكوفية، والمتسربل بلباس عسكري كنت اشتريته بخمسة دراهم من "الغرسة الكبيرة". ولك أن تتصور أيضا مبلغ الزهو الذي كنت أشعر به حين كنت أجاور أستاذي لمادة التربية الإسلامية الأستاذ محمد بركاز حفظه الله، في نفس الجريدة. ثم لك أن تتصور مقدار الافتخار الذي كان يملأ علي كياني وأنا أمر أمام ناظر الثانوية الأستاذ مزروع وهو يمسك بنسخة من نفس الجريدة حيث مقالي المنشور بالبنط العريض وفي نظراته بعض الكلام الحائر. وأما الأمل، فقد امتد أمامي في الأفق منذ اللحظة الأولى التي نشر لي فيها المقال المعلوم؛ فقد تهيأ لي أني سلكت "طريق الذي يذهب دون أن يعود". ولتكرار لحظات الفرح، كان علي أن أكتب وأنشر، ثم تيقظ الوعي لدي أن الكتابة موقف وشهادة، فلم أعد أنشر إلا ما وثقت في قيمته وتيقنت من جدواه. ثم أدركتني "حرفة الصحافة"، فسعيت إلى إصدار "مجلة القضية: مجلة السؤال والإبداع" عام 1985 خلال مرحلة التحصيل الجامعي بفاس، وبعد تخرجي بسنوات أسست رفقة آخرين جريدة "الأنوار" في تطاون عام 1993، وبعد ست سنوات أي عام 1999 أصدرت جريدة "تطاون العامرة: منبر المسؤولية الحضارية". وخلال هذه المدة ظهر لي أن "حرقة الصحافة" متمكنة من نفسي، ولكني لما رأيت كثيرا من الإفك والبهتان يرتكب باسمها، ضربت صفحا عن إصدار أي منبر ورقي-وهل أستطيع؟- واستعضت عنه بإصدار منبر رقمي هو جريدة الأخبار الثقافية التطاونية، "الفدان". وأما كبير الأسى، فهي أن صلتي انقطعت بالرجل الذي سعى في نشر مقالي الأول، وأعني به الصحافي المقتدر الأستاذ عبد القادر الإدريسي حفظه الله. لقد كان لهذا الرجل الفضل علي في منحي لحظة وجودية عميقة جدا وهي فرحة رؤية اسمي مكتوبا في جريدة ورقية لأول مرة. وإن نسيت فلن أنسى كيف انه احتفل بمقالتي تلك ونشرها في صفحتين، وكان هذا صنيعه في جميع المقالات التي كنت أرسلها للنشر في جريدة "الرسالة" التي كان يرأس تحريرها. وهكذا استمر الحال إلى حدود سنة 1985 حيث أفضت بي الأقدار إلى مسالك أخرى في عالم الكتابة والنشر. لقد أثبت الرجل حقا أن المرء يكون كبيرا بتواضعه فقد كان ينشر لي مقالاتي ثم يرسل إلي نسخة من الجريدة-وأنا تلميذ في السادسة ثم قسم الباكالوريا- مع بعض كتبه حول قضايا الفكر الوطني والإسلامي كهدايا - وهذا الصنيع لم يتكرر مع الأسف إلا نادرا مع غيره داخل المغرب أو خارجه. ولك أن تتخيل مبلغ الاعتزاز الذي شعرت به ذات يوم لما زرته في الرباط واستضافني في بيته عقب نشر مقالتي المعلومة: لقد ضاعف هذا من ذلك الشعور بالمسؤولية الذي شعرت به في تطاون يوم أن حملت لي إحدى زميلاتي في الثانوية نسخة من الجريدة حيث نشر مقالي. وهاهي نفس المسؤولية التي لأمر ما شعرت بها ثقيلة أكثر لما أتيحت لي مصافحة رجل كان في زيارته هو الآخر في نفس اليوم الذي زرته في مكتبه بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وهذا الرجل كان اسمه عبد رب الرسول سياف الذي كان أو بسبيله إلى أن يكون-لا أعلم حقيقة- أمير المجاهدين ورئيس الاتحاد الإسلامي لمجاهدي أفغانستان. كل هذه "الذكريات" ما تزال حاضرة في الذهن ومشتعلة في الوجدان وجمالها يترسخ كلما امتد بالمرء العمر وانتثرت أمامه الرؤيا. وقد يأتي اليوم الذي أتحدث فيها بتفصيل أكثر حتى تكون كلمة حق وشهادة تقدير في كل الذين أدين لهم بفضل طيلة حياتي التعليمية والثقافية.
ماذا يعني أن تكون مدرسا للفلسفة ؟
· أن تكون محاورا لبقا مع الأجيال. أنت تعلم أن قيمة الحوار في مجتمعنا الراهن قيمة في انحدار مهول. والأجيال التي ندرس لها الفلسفة أكثر الشرائح الاجتماعية تأثرا بهذا الوضع. فماذا عساك تقدم لها غير إحدى القيم المفقودة في محيطها وعالمها. لقد برمت من "التكفير" كلما عبرت عن رأي، وضاقت بـ"التخوين" كلما فكرت في "الهجرة إلى الضفة الأخرى، أو دعت إلى إعادة النظر في "المواطنة" وجعلتها اختيارا لا اضطرارا، وساءها أن تتلقى الأوامر من كل فاقد للمصداقية، وتكون مطيعة طيعة لا ترد أمرا ولا تعصي إرادة لكل من فقد مشروعية قانونية أو أخلاقية. ثم إن "المعارف" أكثرها متاح باتساع الوسائط المعرفية في زماننا؛ فهذا الجيل قطع أشواطا بعيدة في عصر القراءة الرقمية. ماذا عساك تضيف إليه إذن إن لم تخض معه التجربة الأصيلة في كل ممارسة فلسفية: الحوار؟ وتعود من ثم إلى سلوك البدايات الأولى للسيرة السقراطية في "الأغورا" أو "الفدان"، وتقدم له، بدلا من "المعارف" الجاهزة، جملة من "المواقف" الحية.. على المرء أن يكون على قدر من التواضع العلمي والأخلاقي لكي يخوض تجربة تدريس الفلسفة بعيدا أن أي ادعاء في "التعليم" أو في "التربية". ثم له أن يكون على قدر كبير من الشجاعة الأدبية لكي يعلن انتصاره للفلسفة في محيط لا يقيم وزنا لصوت العقل، ولا يعبا بوازع الأخلاق، ولا يحفل برأسمال القيم.
من هـــم الفلاسفة الذين أثروا في مسارك الفكري ؟
· مسألة تأثير فيلسوف بعينه في مساري الفكري مسألة صعبة في تقديري الشخصي على الأقل فيما يخصني. كل الفلاسفة الذين كنا نقرأ لهم إنما كنا نعيش معهم أيضا بمعنى من المعاني ومن ثم نرتبط بهم عقليا ووجدانيا بدرجات متفاوتة. ولكن جميع من صحب الفلاسفة قراءة وحياتا سيقول لك عن جميعم إنهم موضوع احترامه وتقديره. وهذا حالي مع أسماء معينة يمكن أن أذكرها لك أمثال جبران خليل جبران في كتابه النبي، وحسن حنفي في تتلمذي المباشر على يديه ولاحقا بوساطة أعماله، وعلي شريعتي، وابن رشد وغيرهم. ولكن إذا كان لي أن أختار فيلسوفا بعينه عشت معه طويلا فهو الفيلسوف الإسباني خوسي أورتيغا إي غاسيت (1883-1955). لقد تعرفت على هذا المفكر الأصيل عن طريق شاعر














