لا أعرف متى أصبحت مغرما بالتجول في أسواق المواد الغذائية. كل ما أعرفه هو أنني كنت دائما، ولا أزال، أعشق الذهاب إليها للتجول إن لم يكن للتبضع، وكثيرا ما أجدني أشتري، ولو كان عندي ما يكفيني من المؤونة. أحب خصوصا الأسواق الشعبية. يكفي أن أوجد بأحدها كي أضيع تماما من نفسي، وأستسلم لضجيجها وزحامها، تلوكني فأنبلع فيها نشوان كأنني مغمور بسيمفونيات كون خالد.
أحب مويجات الروائح حين تتناوب علي أو تختلط عند فتحتي أنفي، تشتتها هنا رائحة النعناع الأحرش الطري، فتحملني إلى فرح الحقول ونكهة الماء الشبيهة بنظرة فلاح متيم، أو تنهض إليَِّ هنالك روائح التوابل الجاثمة في أكياسها، تفرد ألوانها بزهو غامض، لأفهم أن الزمن رجل واثق، وأن المكان امرأة قصوى. وأجد نفسي أبتسم للطماطم المضرجة بالعافية، وللتفاح الخجول، حين أمر بهما وسط كرنفال الفواكه والخضر الواقفة في صفوف بديعة الأزياء.
وتبهرني السعادة وسط الأسماك، وأنا أتدغدغ بالأنوار المنكسرة على حراشف سمك ما يزال في شكل البحر. أمر بالناس، وأرى حالهم شبيها بحالي. أرى نظراتهم تطير، تتفحص المعروضات، وتبحث، كأنما عن شريك للحياة. أراهم مثلي يقتربون من غزل تبعثه إليهم أصناف اللحم، كأحبة متلهفين ومتمنعين.
لا أعرف نفسي إلا مغرما بالسوق، وبرؤية أناس يتبضعون، ويدخلون أيديهم في جيوبهم ويخرجونها ليقايضوا على قناعة ما. ونساء يُقمن ألف حوار بين الأشياء المعروضة وبين حالهن. ثم لا يقلن هات. أو يقلنها.. يا لهذه السعادة. السعادة هنا هي أن تنجح امرأة في المرور من السوق دون أن تنعطب، أو تعطب أسرتها.
أحب التفرج على هذا الامتحان الصعب.
هنا أحس أنني ألتقي بأفلاطون وسيرفانتس وأم كلثوم وغاندي وجيفارا ونيتش وابن عربي ودافينتشي ومارادونا. ربما يكون ذلك وهمي. لكنه يسعدني.
بهذا الاستعداد كنت ذاهبا صباح أمس إلى سوق "أشبار" بمرتيل. أعرف أن للسوق نكهة خاصة أيام الآحاد. لذلك أحرص على التمتع به في ذروته، بين الساعة العاشرة ومنتصف النهار.
لم يكن في نيتي القيام بشيء آخر. لكنني التقيت بعبد المجيد. كان يمشي في فرحه المتفائل. يحمل طوله الرياضي بتواضع يؤكده اختياره لملابس أصغر قليلا من جسمه. فتجعله يبدو منحنيا. تعانقنا، كما نفعل دائما كلما التقينا. لم نسأل بعضنا عن اتجاهينا. سرنا معا في اتجاه السوق. كان السوق قربنا، فدخلنا. وأخذت عيناي تعدوان جذلانتان فوق كل ما يوجد حولي.
عبد المجيد لا يكترث كثيرا للأمور التي يعجبني الانتباه إليها في السوق. ولا يحب المطبخ. كانت عادته أن يشتري الطعام جاهزا. لذلك فاجأني حين انهمك في انحناءة على صندوق سمك، وجرني معه. فأطعته، فقط من باب المسايرة، لأنني أحب أن أتجول بالسوق أولا، وأن أرى كل الأصناف المعروضة به. قبل أن أشرع في الشراء. نظرت إليه فرأيت في عينيه نظرة كتلك التي تلبسها أعيننا حين يحصل أن نطلب شيئا ثم نكتشف، أو نتذكر، أننا لا نحمل ثمنه. ضحكت وسألته:
- "هل تريد أن تشتري؟"
فرد علي بكلمات سريعة:
- "لا تلتفت. هل هذا السمك جيد؟ لا تلتفت."
كانت جبهته تنظر إلي، وعيناه مركزتان في نقطة ما عند تخوم قميصي. ثم أحنى رأسه إلى صندوق السمك. فلم يبق ما يمنعني من الالتفات. كانت نوال برفقة صديق لها يمران على الجهة الأخرى من جادة السوق. فسألت عبد المجيد:
- "ألا تريد أن تراك؟"
- "هل التفت؟ - قال بغضب آسف، وأضاف- ألم أطلب منك ألا تلتفت؟ تراها عرفت أنك رأيتها."
- "يمكن أن تكون رأتنا، لكن عيوننا لم تلتق. أنا متأكد. هل أنتما متخاصمان؟"
- "لا. ليس ذلك. أنا فقط أريد أن أتجنب إحراجها."
- "أيحرجها أن تلتقي بك؟"
- "وبك أنت، وبكل أصدقائها وصديقاتها القدامى."
- "لا أفهم. هل ذلك بسبب صديقها؟"
- "لا. لا. هل أنت غبي، أم تريد أن تتغابى؟ أنت تعرف أنها لا تتحرج أبدا في علاقاتها الحميمة. ثم إن ذلك الذي تسميه صديقها، هو أكثر من ذلك. إنه الآن خطيبها."
- "وما دخلنا نحن فيها؟ هل يعني هذا أن علينا أن نختبئ كلما مر بالشارع أصدقاء أو صديقات لنا."
- "كفى. كفى. الظاهر أنك لا تريد أن تفهم. وكأنك لا تعرف أن أمورا حصلت لها في حياتها وأمورا أخرى لم تحصل، فصارت تتحرج من كل من يعرفها. بل وتكرهه حتى."
- "لا يا صديقي. لا أريد أن أفهم هذه الأشياء. فكل الناس تحصل لهم أشياء في حياتهم، وماذا؟. اسمع، ما أعرفه الآن هو أنني أشتهي أن أتغذى بطاجين من التون الأزرق بالزعتر. أتمنى أن أجده بالسوق. تمن معي ذلك."
ثم لكزته بإصبعي في جنبه، وقلت له ضاحكا:
- "أنت أيضا تريد أن تعد طاجينا مماثلا لحبيبتك تتمتع به هذا المساء مع قنينة "موغربي". هل أعجبك ذلك السمك؟"
- "أي سمك؟"
- "ذلك الذي رأيته في الصندوق."
- "تعرف أنني لم أنظر إلى السمك عندما انحنيت على الصندوق."
- "وماذا ستعد لحبيبتك إذن؟"
كنت أعرف طبعا أنه لا يحب الطبخ. فانتظرت منه أن يضحك. لكنه ردد بعدي:
- "حبيبتي.. حبيبتي.."
لم أتبين ما إذا كان يتهكم أو يتساءل. فقلت له:
- "ماذا، أليست عندك حبيبة؟ وإحسان، هل فارقتها؟"
- "لا، المشكل هو أننا لم نفترق."
- "ماذا؟ تقول "المشكل". هل تنكر أنها حبيبتك؟ قل.. قل إنها ليست حبيبتك."
ابتسم. مع أنني رأيت أن عينيه لم تفعلا. فشعرت كأنني ندمت على إثارتي لموضوع قد تكون لديه حساسية ما تجاهه. فلربما كنت أجهل أمورا عن حياته الجديدة. لأن شروط العيش لا تعطينا ف
المزيد