رسالة شكر من "الجمعية الفلسفية التطوانية"-وما زالت في العيد بقية…

مايو 17th, 2008 كتبها الفدان: جريدة الأخبار الثقافية التطاونية نشر في , باب التوت

 

957yuk

بمناسبة الاحتفال بعيد الكتاب، وتحت شعار كاتب بيننا، أمل أمامنا، وضعت الجمعية الفلسفية التطوانية برنامجا ثقافيا خاصا تضمن تقديم طائفة من الكتب بحضور مؤلفيها داخل بعض ثانويات مدينتنا وإعدادياتها؛ ففي يوم السبت 26 أبريل 2008، هيأت الجمعية لقاء مفتوحا مع الدكتور أحمد بوعود مؤلف كتاب الاجتهاد بين حقائق التاريخ ومتطلبات الواقع بثانوية القاضي ابن العربي، وفي يوم الثلاثاء 29 من نفس الشهر، سهرت على إعداد قراءة في رواية الدكتور خالد أقلعي أطياف البيت القديم بإعدادية القدس، وفي يوم الاثنين 5 ماي أعدت لقاء مفتوحا مع الدكتور الحسن الغشتول مؤلف كتاب رحلة في المشرق والمغرب تضمن قراءتين في كتابه عن الرحلة الذهنية.

         وقد قام ثلة من الأساتذة الباحثين بإنجاز قراءة في المؤلفات المذكورة؛ فقد قدم الأستاذ عرفة بلقات عرضا تحليليا للكتاب الأول، وقام الأستاذ عبد الرحيم الشاهد بتقديم قراءة نقدية للكتاب الثاني، ونهض الأستاذ محمد بنعياد والأستاذ عبد الكريم ناس بقراءة تأويلية للكتاب الثالث.  

         كما نظمت الجمعية في نفس الأثناء معرضا للمؤلفات الفلسفية المدرسية المغربية والإسبانية هو الأول من نوعه في مكتبة ثانوية المنصور الذهبي للتعليم الخصوصي استمر طيلة أسبوع وشهد زيارة عموم الطلبة والتلاميذ وبعض المربين والأساتذة وسائر المهتمين بالتأليف المدرسي.

         والجمعية إذ تنظر إلى هذا الاحتفال الرمزي بالكتاب وبالمؤلف بعين الرضى، لرائية إلى مستقبله بعين الرجاء حتى يصبح الكاتب بين أظهرنا قيمة عليا، ويصير الكتاب بيننا حاجة يومية ضرورية مثلها مثل الماء والهواء.

         وبهذه المناسبة السعيدة، تعبر الجمعي

المزيد


في صور: تقديم رواية "أطياف البيت القديم" في تطاون للأديب خالد أقلعي

يناير 12th, 2008 كتبها الفدان: جريدة الأخبار الثقافية التطاونية نشر في , باب التوت

 


المزيد


تطاون…[عامرة دائما كمانريد لها ونرضى في اليوم العالمي للشعر]

مارس 22nd, 2007 كتبها الفدان: جريدة الأخبار الثقافية التطاونية نشر في , باب التوت

 

بمناسبة اليوم العالمي للشعر، تتوجه "جريدة الأخبار الثقافية التطاونية" إلى كافة اهلنا في تطاون والعالم بعظيم التمنيات، وبخالص الأماني من اجل حياة مليئة بمعاني الجمال والخير والحق مما جاءت به القصيدة شرقا وغربا. فكل عام والشعراء والشاعرات بخير ونحن معهم ضد البشاعة والحرب والقهر والسياجات… ونقترح عليكم قصيدة كتبها صديقنا الباحث عرفة بلقات بعنوان "تطاون" هدية لمدينتنا العامرة بمناسبة هذا اليوم الأغر في حياتنا الثقافية والعقلية…

 

….إلى صديقي العزيز محمد بلال أشمل

 

حبلى بأحلام الصبا..

أسمى،كأغنيات عشق،من مصابيح السما..

من أمل تدفقت بين جنباته

تباريح الردى..

من قمر رأيته

-حين تلوى تحت وجه الليل-

رافعا يدا..

و غاب في زرقة موته كما

يغيب لون الشمس في

قطر الندى..

قالت:حروفي الآن أشهى

ما تبقى..

و جداري من وحلْ..

لوني كصوت شاعر

إذا رحلْ..

كهجرة الموت إذا ما الزهر راح

و ارتحلْ

و كفنته زرقة البحر كما

يأس الحياة كفن

 لون الأملْ..

 قلت:كأنما هدير البحر قلبي

و تمتمتْ:

كأنما لوني كفنْ..

كأنما الرحيل صوتي ..

و المدى صمت البدنْ..

و "باب عقلة"صهيل الخيل كانت..

و عيونا من أملْ..

و البحر كان قبلة العيون و المدى

نشيدا من شجنْ..

المزيد


بكاء ماكر كأنه الابتسامة/ سعيد شقيري

يناير 3rd, 2007 كتبها الفدان: جريدة الأخبار الثقافية التطاونية نشر في , باب التوت

حدث ذلك في صيف بعيد مع شاب يدعى إينا. كان شابا صغير الحجم، لكنه لطيف وأنيق بشكل لم يكن يتناسب في الغالب مع وضعه الفقير وأميته.

التقيت به ذات منتصف نهار خارج سور المدينة وحيدا، يقتعد قطعة ردم ويدخن سيجارة حشيش. لم تكن لتثيرني جلسته تلك ولا وحدته لو أنني لقيته عليهما داخل الحي. فقد كان مألوفا عندنا أن نرى واحدا من شباب الحي يجلس على أي شيء بين الدروب كأنه بقاعة الجلوس بمنزله. يدخن الحشيش أو الكيف أو يقرأ أو يغني، أو لا يفعل شيئا، أو ينتظر أن يأتي صديق له، أو أن تمر حبيبة لا علم لها بحبه. كما كان عاديا أن يهيم اثنان، أو أكثر، في طرقات لا تختارها سوى أرجلهما المخدرة. وقد يجلسان للراحة، بعد طواف، في ساحة عمومية أو في مقهى شعبي يسمح فيه بالتدخين، أولا يكترث لذلك. أو يقصدان ضفة نهر حيث يمكن لأحلامهما الكسلانة أن تركب تياره وتسبح بعيدا بعدها عن التحقق. 

لذلك أدهشني كثيرا أن ألقاه جالسا تلك الجلسة غير المفهومة، بالنسبة إلي.  فرح كثيرا لما رآني، رغم أن ملامح وجهه نادرا ما كانت تجد التعبير المناسب في اللحظة المناسبة. سألته عن سبب جلسته تلك، فأجابني بأنه جالس. وابتسم. وكان علي أن  أقوم بمجهود كبير كي أستطلع من طلاسم وجهه ما يفيدني في معرفة حاله. وهي العملية التي لم تكن في الغالب تكلل بالنجاح. فاقترحت عليه أن يتمشى معي في الاتجاه الذي كنت أنحوه حين صادفته في طريقي. استمهلني قليلا ريثما أنهى سيجارته، وسار إلى جانبي في صمت أليف لم أشأ أن أقطعه.

أشعلت سيجارة وناولته أخرى أشعلها، وقبل أن ينفث الدخان قال لي إنه لم يعد يجد سبيلا إلى النوم، وصمت. وبعد برهة سحب نفَس دخان ثم سألني قبل أن ينفثه أيضا: "أتعتقد أن المنازل الخالية، خالية فعلا؟" فلم أجبه، لأنني لم أفهم القصد من كلامه. فاعتقل دخانا آخر في صدره وأراد أن يتكلم، فسألته مقاطعا: "ألا يمكنك أن تخرج الدخان من صدرك قبل أن تتكلم؟" فنفخ في الهواء دون أن يخرج شيء، وسحب نفسا جديدا، وقال: "إن المنزل المجاور لبيتنا لا يسكنه أحد، فأنا لم أر قط أحدا يفتح بابه الذي يعلوه العنكبوت. ومع ذلك فأنا أسمع من حجرة نومي المتاخمة له، حركة وكلاما". فقلت له إن ذلك أمر عادي، فبعض المنازل الخالية بالحي، وإن كان لا يقطنها أحد، فإن مفاتيحها موجودة. ثم إن مفتاح ذلك المنزل بالذات يوجد عند المؤذن. فأخفض عينيه، ربما استياء من عدم قدرتي على فهمه، ورمى السيجارة بعد مص دخانها، وقال: "ولكنني أسمع ذلك ليلا، وأسمع كذلك صوتا نسائيا وضحكا ورقصا كأنه دخلة." فضحكت من براءته ولم أجد طريقة أشرح له بها الأمر، لكنني جمعت كلمات تلقائية، وقلت له بأن المؤذن أيضا بشر. فهز رأسه نفيا وتابع: "لا. لا. إنهم.. إنهم هم. أنا متأكد من ذلك. فأنا كثيرا ما ألمح قطا أسود يتسلل إلى ذلك المنزل من كوة في السطح. وقد بدأ مؤخرا ينظر إلي نظرات غريبة. أقسم بالله أنني لا أقصد أن أسمع شيئا، لكن الأصوات هي التي تقتحم سمعي. فما ذنبي أنا؟".

هكذا هو إينا. كان بسنوات عمره الأربع والثلاثين لا يفتأ يبدو كصبي يجهل مصادر ألمه. وربما كان ذلك هو السبب في هروب المعاني المنسقة من ملاح وجهه. وكانت قد مرت عدة سنوات منذ بدأت أشجعه على إيجاد عمل قار يوفر عليه بعض التيه، وعلى اتخاذ صاحبة له ترتق رقاع روحه وترفع رأسه أمام نفسه، وتجعل وسادته هادئة مسترخية. فعمل بالنصيحة. انقض على أول عمل صادفه بمقهى ذات صيت بين الدرجات الدنيا من الأوساط الشعبية، تسرق منه اثنتي عشر ساعة في اليوم بأجر زهيد، وتعفيه في أحد أيام وسط الأسبوع من الخدمة. وكان يبدو على وجهه المستحيل أمارات سعادة ما بهذه القدرة الطارئة على المساهمة في مصاريف البيت، وعلى شراء بذلة دجينز، وحداء كلمي رياضي كل خمسة أشهر، وتوفير كل احتياجاته من الحشيش ولوازمه، بما فيها الدَّكّة خارج مكان العمل. وأصبح مغرما بكل بنات الحي ونسائه الشابات، دون علمهن طبعا. يلبد لهن في منعطف الدرب الرئيسي إلى الحي، يقبع هناك حتى يهمد مرورهن، ثم يدلف إلى البيت كي ينام، أو ليستيقظ من تخدره الثقيل، ليذهب باكرا إلى العمل، وليتخدر من جديد. ولكنه كان غالبا ما يعاود الخروج ثانية. إذ كان كلما وطّن العزم على مفاتحة واحدة من معشوقاته، ويهيئ لذلك ما يراه من الكلام الحلو والمقنع الذي كثيرا ما كنت أساعده في نسجه، يظل ينتظرها وهو يسبح بخياله في خيراتها ويبلع دخان البنج. وعندما تمر، يكون رأسه قد نزل إلى ركبتيه، فلا يستطيع رؤيتها إلا من خلال فتحتين ضيقتين في عينيه. ينظر نحوها وهو يقول لنفسه: "انهض إليها.. انهض إليها.. انهض…" إلى أن تغيب عن ناظره، فتقول له نفسه: "غدا أنهض"، فيصنع لها لفافة أخرى يدخنها لها، ثم يحملها إلى الفراش.

تلك هي المشكلة. فنفسه لا تلبث أن تستيقظ في الفراش، فتصحو نارها، فيعلو دخانها، فيتشقق السقف، فيهوي الرمان أحمر داميا، فيتشتت الريش من مخدة الأحلام، فتنكشف الساق الملتفة على عنق الرغبة. " ألم أقل لك؟" يقول له

المزيد


سيدة الفرح/ عبد الجليل التهامي الوزاني

نوفمبر 2nd, 2006 كتبها الفدان: جريدة الأخبار الثقافية التطاونية نشر في , باب التوت

كانت الساعة قد جاوزت منتصف النهار حينما تحركت ربيعة في فراشها، كانت لازالت تشعر بخدر يهيمن على بدنها، وارتخاء بكل عضلاتها، وثقل ضاغط برأسها وجفنيها، وتموجات رجع الموسيقى الصاخبة يأبى أن يفارق أذنيها. انتصبت واقفة في قميص حريري خفيف مناسب لقيظ أغسطس، فبدت فارعة الطول متناسقة الأعضاء ذات جسد غض، لازالت تمتلك مسحة من الجمال برغم من وجود غضون أسفل العينين تتلاشى تدريجيا كلما توغلت منحدرة نحو الوجنتين، قسمات توحي بأنها في متوسط العقد الخامس من عمرها أو تزيد عليه قليلا. كانت تعرف ما يتبعها هذا اليوم السبت، من إعداد حاجيات الزوج ومتطلباته، وإعادة ترتيب البيت، وتوظيب حقيبة الشغل، والتأكد من وجود كل\" الإكسسوارات\" الضرورية بها، كل هذا في وقت قياسي لا يتعدى الساعتين. غادرت حجرة نومها الوحيدة بالمنزل لتجد زوجها في مكانه المعتاد بالبيت ممدودا على متربته الأثيرة يغوط في نومه تاركا قناة الجزيرة على التلفزة ترسل سيلا من الأخبار المقززة للأبدان في صوت خافت لا يكاد يسمع فبالأحرى إثارة الضجيج. وهذه مسألة محسومة لصالحها، لم تعد قابلة للنقاش، وهو من جهته قد صار مقتنعا بأنه قطع أشواطا طويلة في سلم التنازلات، فالمرء حينما يفقد القدرة على توفير لقمة عيشه، وتلبية أبسط متطلبات الحياة يصبح فاقدا لإرادته، سهل الانقياد، يسمع يرى يتخيل ما لا يراه، ثم يقنع نفسه في نهاية المطاف، أن كل شيء على أحسن ما يرام. آمنا معا بهذه الحقيقة، وبات بينهما اتفاق ضمني بالا يتكلم. هذه مقابل تلك، مقايضة متكافئة خلقت نوعا من التوازن في زمن انقلبت فيه كل الموازن، واختلت به كل القيم والأعراف. أما هي فلم تعد تسمع ذلك الصوت الخشن المعتز برجولته الآمر الناهي، ولن تقبل أن تبقى تلك المرأة الضعيفة المتوجسة من ظل هذا الرجل الأرعن، والمتأهبة دائما لتلبية طلباته، والاستجابة لرغباته سواء منها المعلنة أو المضمرة. صلت الظهر الفريضة الوحيدة التي تؤديها في وقتها في مثل هذه الأيام، ارتدت جلبابها، أكملت لف رأسها ثم وقفت أمام زوجها لتوقظه، فهي حينما عادت قبيل الفجر وجدته نائما. وهاهو الآن يغط في نوه، إن لم تتحدث إليه اللحظة فلن تراه إلا في الصباح الموالي، كان عليها أن تذكره بأن كل شيء جاهز بالمطبخ: غذاءه، عشاءه، وقفت أمامه والحقيبة في يديها، نادته بصوت خافت: ـ آسي سلام ! آسي سلام! لم تسمع منه جوابا، فقد فاجأها رنين الجرس المتواصل الملحاح، فتحت على عجل، لعنت حظها، إذ وجدت كنتها أو بالأحرى زوجة ربيبها ترسل، من دون مقدمة، سيلا من الشكوى الممزوجة بندب حظها ولعن نصيبها، دون أن تستثني سب زوجها الموسوم في نظرها بكل أنواع النواقص. مشهد مسرحي حفظته ربيعة وسئمته لتكراره المتواصل. قالت لها في برودة لا تخلو من غضب: ـ ماذا تريدين بعد هذا الموال؟ ـ تعرفين أنك كنت السبب في زواجي من المختار، ولولا الأولاد لتركته وعدت إلى أهلي. هذا أهون من العيش في كنف زوج ميت الحس عديم الضمير، يبعثر مدخوله الهزيل في معاقرة الخمر وتعاطى الحشيش… اليوم قلت له: ليس لدينا ما نأكله. رد علي بوقاحة: كلي بعضك! ولما قلت له: حرام عليك هذا لا يطاق! ضربني وترك البيت! رمتها بنظرة لا تخلو من احتقار وريبة: ـ أنا تعبت من هذا الهراء، كوني امرأة، وتدبري أمرك كما تفعل كل النساء. كانت قد ناولتها خمسين درهما قبل أن تثير فضول الجيران المتلهفين لاقتناص النقائص. أخذتها المرأة، ابتسمت شاكرة، مسحت دموعها، ثم انقلبت طفرة واحدة من المرأة الغضوب الخائضة للمعركة إلى المرأة الودود الوديعة المسالمة! استأذنت في زيارة حماها والاطمئنان عليه. لكن ربيعة صدتها بيدها، وهي تصفق الباب وراءها حاسمة الموقف: ـ إنه نائم وأنا، كما ترين؛ ذاهبة، ورائي شغل.. ارجعي في وقت آخر، ومن الأفضل أن تحضري معك الأولاد، فقد اشتقنا لهم! *** قطعت ربيعة زنقة \" رأس الرخامة\"، انحرفت نحو زنقة \"الوطية\" تنوء بحمل حقيبتها الجلدية، بباب التوت امتطت سيارة أجرة. أمرت سائقه بالتوجه إلى قصر الأفراح شرق المدينة. في الطريق لم تستطع التخلص من الآثار التي تركه لقاؤها كنتها، كانت تعلم أن المرأة مظلومة، وهي ساهمت بحسن ظنها في توريطها في زيجة كانت تعلم أن نسبة نجاحه ضئيلة، فالمختار ربيـبها لم يكن في أي وقت من الأوقات صالحا ليصير زوجا قادرا على تحمل أعباء الحياة والصمود أمام تغيرات الزمن، مارس مهنا شتى ولم تستهويه أية مهنة؛ تقاذفته حرف عدة ولم يستأنس بها ولم تستأنس به، حتى انتهى به الأمر نادلا بإحدى المقاهي الشعبية بحي \"الباريو\". حينما زوجته كان غرضها الوحيد التخلص من مشاكله، ومن متطلباته التي لا تنتهي، سيما حينما أجبر أبوه على البطالة بسبب إفلاس معمل النسيج حيث كان يعمل. ولعل هذا الحدث هو الذي عجل بتدهور صحته، وتراجعها بشكل فضيع، انتهى به إلى ملازمة البيت، وانقطاعه عن العالم الخارجي. ولولا جرأتها، وإصرارها على تحمل المسؤولية، إصرار دفعته إليه دفعا، لما وجدت الأسرة ما تسد بها رمقها، وتسدد به قيمة كراء البيت الرطب المتواضع الذي يأويها، ويحميها من التشرد. كانت في تلك الفترة ترافق خالتها \"الحاجة السعدية\" لمساعدتها في تجهز العرائس، ولما تمكنت من الإطلاع على أسرار المهنة اقتنت لنفسها بعض\" الإكسسوارات\" اللازمة ومضت تشق طرقها في خضم سوق يتطلب أكثر من مهارة، وأكثر من أسلوب ووسيلة، ويفرض على الخائضات في غماره التسلح بشيم الصبر والتغاضي والمحاباة وتوزيع المجاملات المجانية، ويستوجب عليهن قبول أكثر من تنازل، وبأساليب قد لا تخطر على البال. كان المختار ولازال ولدها الذي لم تنجبه، استعاضت به وأخته \"حنان\" عن جفاء الدهر، وسوء النصيب، حينما أيقنت أنها لن تستطيع الإنجاب، عاقر كما يشار إليها لمزا أو تصريحا، وربما عزاءها الوحيد كون زوجها لم يذكرها يوما ما بهذه الحقيقة، مكتفيا بالولد والبنت من زوجته الأولى، ولعل الأمر مناسبا لطبعه النافر من الالتزامات العائلية فهو لم يعتن يوما بالمختار وحنان كما هو حري بأب مسؤول، ولم يعبأ بهما وبمستقبلهما الدراسي، تاركا الأمر كله لها هي تتصرف فيه بما تمليه عليها عواطفها وتصورها للتربية. كان الولد والبنت جزءا من مسؤوليتها منذ زواجها بوالدهما، كان المختار في الخامسة من عمره، بينما حنان لم تتجاوز الثالثة، لذلك أحبتهما حبا لا يعطي انطباعا بأنهما ربيباها، وربما ساهمت، دون قصد في إفساد تنشئتهما، بتدليلهما، وربما عاشت من خلالهما طفولتها المهدورة ببيت أهلها، وبزواجها المبكر. ولعل عزاءها الوحيد من جراء معاناة سنوات التربية والسهر على الولد والبنت اعتراف\" حنان\" بالجميل ومعاملتها كأم جديرة بالتقدير لتضحياتها الجسام. خصوصا لما تزوجت في وقت مبكر، واستقرت بالدار البيضاء حيث يعمل زوجها. *** عند باب القصر اعتراها شعور غامض بالقلق دفعها للتفكير بالعودة إلى البيت. لكن العريس استقبلها هاشا باشا مستبشرا لوصولها في الوقت المناسب، لينتشلها من عالم ويزج بها في عالم آخر.. فنسيت ما كانت بصدده. أخبرها انه أعفي من الذهاب إلى منزلها لإحضارها بنفسه، فأم العروس حذرته من مغبة تأخرها، ثم قال لها هامسا: ـ أنت سيدة الفرح، من دونك لاشيء يستقيم! ابتسمت شاكرة ممتنة متذكرة ما صدر عنه يوم أمس ليلة \" الظهور\"، حينما أصر على إيصالها إلى بيتها بسيارته، فانتهز فرصة انفرادهما ليهز أنوثتها البائرة، ويوقظ مشاعرها الفاترة بكلماته الرقيقة التي لا تخلو من غزل مبطن، كادت أن تنسيها أنه العريس محط الأنظار، هي نفسها تسهر على تجهيز العروس وجعلها في أبهي حلة ليقتطفها هو دون سواه! حاولت أن تقنع نفسها أن ما صدر منه لا يعدو أن يكون مجاملة وإطراء، الغاية منه تحفيزها على أداء مهمتها بهمة عالية، ولكن وبالرغم من كونه في عمر ابنها أشعرها كلامه بدفء ما كانت لتشعر به لولا إحساسه بها كامرأة ناضجة، هذا ما استقر لديها حينما هرعت إليه مفزوعة مضطربة لما فاجأهما بمنعطف\" راس الرخامة\" سكير يترنح، يتطاير الشر من عينه، كان قد طوقها بيده، وبث في كيانها شعورا بالأمان والطمأنينة، ومنحها إحساسا لذيذا متواصلا، لم يسرقه منها إلا وجود جسد زوجها الفاتر الهامد الممدود وسط البيت، والذي يقع في منزلة بين الحياة والموت، ويحولها إلى الزوجة الموقوفة عن ممارسة وظيفتها رغما عنها! قطعت بهو القصر لاحظت الاستعدادات الجارية لإقامة حفل الزفاف، صعدت إلى الطبق الأعلى دقت غرفت العروس ثم دلفت لتجدها وحيدة تداعب أناملها الرقيقة المخضبة بنقوش الحناء، أدركت أن السيدات والأوانس قريبات العريسين لم يقبلن بعد فهن منشغلات لا محالة، بالتجميل وبتحضير حلل الفرح. تبادلتا التحية، وانهمكتا في ثرثرة متواصلة،

المزيد


ابتسامة في اليد/ سعيد الشقيري

أكتوبر 11th, 2006 كتبها الفدان: جريدة الأخبار الثقافية التطاونية نشر في , باب التوت

كنت قد أصبحت منحرفا رسميا. أهيم في قاع الفوضى بكل جرائمها وفضائحها التي جعلتني مشهورا في المحاكم الجنائية والسجون. متعودا على تلقي اللعنات ونظرات القرف والاحتقار والاشمئزاز من كل الناس. حتى أمي أصبحت تستقبلني باللعنة. أقيم معها باللعنة. وتودعني باللعنة. تدعو علي في كل صلواتها، جهارا، بكل ما في القرآن من توعد للكافرين. وتبتهل إلى الله أن يمحقني بموتة من عنده. أو فليسلط علي الطاعون أو السرطان أو الشلل. أو أن يجليني إلى حيث لا تراني عيناها، ولا يصلها عني خبر.

ذلك بما جلبته لها من المتاعب ومن تخييب لآمالها، ومن العار الذي لطخ وجهها وسمعتها بين أهلها وجيرانها. حتى شاخت بسرعة مذهلة وأصبحت قبيحة الوجه ومعوجة الجسم كمنجل صدئ. كل ذلك كان يزيد من تلذذي بتعذيبها. بل من الرغبة في قتلها أحيانا.

فكم من مرة كنت أعود إلى البيت بعد الفجر متعتعا بالسكر، ملوثا بالدم أو بأي شيء آخر، والغضب ما أزال أنفخه فيخرج من أنفي كفحيح أفعى مستنفرة. ألمح، خلل الباب الموارب لحجرتها، جسمها العجوز الصغير المنكمش فوق الفراش. أرى تنفسها الرتيب الهادئ فيجن جنون غضبي. تمتد يدي إلى مديتي. أرتجف من الرغبة في جعل دمائها القليلة تسح تحت قدمي وتلطخ يدي وترتش في وجهي. ومرة، حملت وسادة هممت بخنقها بها فاستيقظت. أو كانت مستيقظة أصلا. أخذت تلعنني بهدوء وثبات كأنها تصلي التراويح. أكيد أنها كانت تعرف رغبتي في قتلها. لذلك كانت حينما تنام تترك أذنها في الحراسة، حتى إذا ما رجعتُ إلى البيت انتبهت وتأهبت لحراسة حياتها. كان يشتد غضبها علي وكراهيتها لي، فتلعن اليوم الذي حبلت فيه بي. كانت دائما تتهمني ظلما وعدوانا بأنني قاتل أبي، وتحرك ندمي على أنني لم أكن قاتله فعلا.

كان أبي قد مات ميتة عادية. نام ذات ليلة ولما استيقظ كان قد مات. وهكذا انتهت حياته. لم يقل لنا أبدا رأيه في نهاية حياته. ربما لأن كل لحظة منها كانت شبيهة بالنهاية. أو لأن إبداء رأيه كان سيكون زيادة عن اللزوم. كنت الوحيد الذي لم أحضر جنازته. كان رجلا فقيرا طيبا. ما دعى لحضور جنازته كل أفراد العائلة القريبين منهم والبعيدين. وكل سكان الحي. أمطروه كلهم بدعوات الرحمة والغفران. وأمطروني كلهم، غيبة، باللعنات. بينما كنت أنا تائها في الغابة أهشم في صلابة أشجارها رأسي، حقدا على نفسي التي لم أستطع منعها من البكاء عليه. لم يهدأ لي بال إلى أن تسللت تحت جنح الليل إلى المقابر. انهلت على وجه حارسها باللكمات حتى دلني على قبر أبي. فجلست قربه كالبهيمة. لا أتذكر إن كنت قد وعدته وقتها بقطع نسله، وتعويضه بنسل من طين خزيي. لكنني لم أزل أعمل ما في وسعي دائما للوفاء بذلك الوعد. ولم أزل قابعا عند القبر حتى همد تهدج أنفاسي. جف دمعي. ويبس الدم على وجهي، وتخثر به شعري. فعدت إلى البيت مع الفجر لأقارع أمي العجوز القبيحة بالشتائم والسباب واللعنات. ولأزيدها إنهاكا وتحسرا.

كانت لعنات أمي ودعواتها علي لا تزيدني إلا طغيانا، وامتلاء بالكره وبالرغبة العنيفة في زرع الرعب في الناس، والتنكيل بهم بأبشع الطرق التي عادة ما أتذوق لذتها بلحم أسناني، مثلما يحصل لي مع السفرجل النيئ.

كنت تطبعت على الاستيقاظ بعد منتصف النهار. أنهض غالبا من نوم سيئ أستيقظ خلاله عدة مرات رغم امتلاء رأسي بالخمر وبكميات كبيرة من الحشيش. أو بسبب ذلك. كانت تجيئني في منامي أحلام فظيعة وكوابيس. أهب في الفراش مبهور الأنفاس، مشرع العينين، والتعب يهد أضلعي وأعصابي. أصب قنينة ماء في جوفي لأطفئ الحرائق المشتعلة بداخلي. أهم بالعودة إلى النوم. تصلني أصوات الأطفال يلعبون الكرة في الحي ويتصايحون. أصيح فيهم. وأسبهم. وأسب دين آبائهم وأمهاتهم. أستعمل في ذلك الكلمات الأكثر فحشا ومروقا في القاموس. وكثيرا ما كنت أنزل إليهم حافيا عاريا فيطيرهم الفزع هربا من وجهي. وإذا لم يسعفهم الوقت لنجدة كرتهم، أمزقها بمديتي. ثم أعود إلى فراشي الملطخ بكل أنواع البقع والمحاط بأعقاب السجائر والقناني الفارغة وغيرها من الأزبال، لمراودة النوم السيئ على مضاجعتي.

في مرة، استيقظت من النوم مع حلول المساء. لم أغادر البيت إلا بعد شوط ساخن من التلاسن مع أمي، أسمعتها خلاله معزوفة راعدة من الشتائم والتهديد والوعيد حتى سقطتْ على الأرض من الاشمئزاز والضجر. كنت أتمنى أن تسقط من الموت. خرجت حاملا انتصار عقوقي الناقص، ومزاجي العكر. كان شعري المشعث مبللا بالماء. وعيناي منتفختان، ككل وجهي، ومحمرتان. وملابسي التي تشبه ملابس قرصان تتهدل على جسمي مع كل نقلة لخطواتي العصبية. كنت صورة فحمية لوحش خرافي مخيف.

عند نهاية الدرب، انعطفت إلى اليسار في اتجاه ساحة السوق حيث أتناول قهوتي بمحلبة هناك، وأدخن سجائر الحشيش الأولى. في المنعطف اصطدمتْ بي فتاة مسرعة برأسها المطأطئ. تلبس جلبابا في لون أوراق الموز ولمعانها الخافت. ينسدل على كتفيها ببساطة شعر كستنائي أصيل. أردت أن أصفعها بظهر كفي حتى تبول تحتها. لكنها مسحت وجهي بابتسامة أليفة. طلبت مني المعذرة. وأعتقد أنني سمعتها تهمس لي: "مساء الخير" وتذكر اسمي. ثم انسلت قرب كتفي دون أن أصفعها.

كان غضبي المتطرف في ذلك اليوم يلح على نيتي في اقتراف جريمة منكرة تستطيع أن تيسر لي العودة إلى السجن. كنت اشتقت إليه كثيرا. مرت علي ثلاث سنوات منذ تركته لآخر مرة. بعدها لم أتمتع سوى بزيارات خفيفة إلى مخفر الشرطة، امتدت بعضها إلى خمسة أيام. لكنهم لا يلبثون أن يطلقوا سراحي بعد بعض الضرب والتعليق لا يحس بهما جلدي الميت. خصوصا أنهم لم يعودا يستعملون الشيفون والصعقات الكهربائية. أصبحوا لا يجودون بهما إلا على الجرمين الخطيرين من أصحاب التدخلات. أما أنا فسرعان ما يبدأ أبناء الكلاب في ممازحتي وتسريب السجائر لي. لكنني في هذه المرة كنت أنوي اقتراف شيء مهول حقا. شيء قادر على إقناعهم بأحقيتي في اللطم الشديد وفي الشيفون والتعليق والقرعة. ويزفوني بعد ذلك إلى السجن كتلة محطمة. بريئة من كل قوة أو كرامة أو شرف. هذه كانت نيتي وأمنيتي وحلمي في ذلك اليوم.

ولما شملني فضاء الغابة حيث يصلني صخب الماء المنهمر من فتحات السد، كنت أموت من الرغبة في أن أكون أشرس حيوان وأخبثه يطلع عليه قمر تلك الليلة. كان عجزي عن ذلك يؤجج الغضب في صدري. كنت عاجزا عن اختيار الجريمة التي علي أن أرتكبها لأحقق أمنيتي في العودة الموفقة إلى السجن. كان السأم قد ملأني من التربص بأولئك الرجال الأنيقين الآمنين المتحذلقين، لإرهابهم وإخلاء محافظهم وشدهم من ربطات العنق التي عادة ما يختارونها بعناية فائقة، ورسم خطوط فنية بحد مديتي على خدودهم، أو تدنيس مؤخراتهم المخنثة أمام أعين عشيقاتهم المسلوبات المرتجفات بالخوف والبكاء. كما مللت من اعتراض سبيل الذاهبين إلى كدحهم في الصباح الباكر. جيوب هؤلاء كانت دائما خاوية ومنهوبة كالخزينة العامة. ثم إنهم رغم تعرضهم لشتى أنواع غضبي فإنهم كان

المزيد


حبيبتي تمر من السوق الأجنبي

سبتمبر 8th, 2006 كتبها الفدان: جريدة الأخبار الثقافية التطاونية نشر في , باب التوت

لا أعرف متى أصبحت مغرما بالتجول في أسواق المواد الغذائية. كل ما أعرفه هو أنني كنت دائما، ولا أزال، أعشق الذهاب إليها للتجول إن لم يكن للتبضع، وكثيرا ما أجدني أشتري، ولو كان عندي ما يكفيني من المؤونة. أحب خصوصا الأسواق الشعبية. يكفي أن أوجد بأحدها كي أضيع تماما من نفسي، وأستسلم لضجيجها وزحامها، تلوكني فأنبلع فيها نشوان كأنني مغمور بسيمفونيات كون خالد.

أحب مويجات الروائح حين تتناوب علي أو تختلط عند فتحتي أنفي، تشتتها هنا رائحة النعناع الأحرش الطري، فتحملني إلى فرح الحقول ونكهة الماء الشبيهة بنظرة فلاح متيم، أو تنهض إليَِّ هنالك روائح التوابل الجاثمة في أكياسها، تفرد ألوانها بزهو غامض، لأفهم أن الزمن رجل واثق، وأن المكان امرأة قصوى. وأجد نفسي أبتسم للطماطم المضرجة بالعافية، وللتفاح الخجول، حين أمر بهما وسط كرنفال الفواكه والخضر الواقفة في صفوف بديعة الأزياء.

وتبهرني السعادة وسط الأسماك، وأنا أتدغدغ بالأنوار المنكسرة على حراشف سمك ما يزال في شكل البحر. أمر بالناس، وأرى حالهم شبيها بحالي. أرى نظراتهم تطير، تتفحص المعروضات، وتبحث، كأنما عن شريك للحياة. أراهم مثلي يقتربون من غزل تبعثه إليهم أصناف اللحم، كأحبة متلهفين ومتمنعين.

لا أعرف نفسي إلا مغرما بالسوق، وبرؤية أناس يتبضعون، ويدخلون أيديهم في جيوبهم ويخرجونها ليقايضوا على قناعة ما. ونساء يُقمن ألف حوار بين الأشياء المعروضة وبين حالهن. ثم لا يقلن هات. أو يقلنها.. يا لهذه السعادة. السعادة هنا هي أن تنجح امرأة في المرور من السوق دون أن تنعطب، أو تعطب أسرتها.

أحب التفرج على هذا الامتحان الصعب.

هنا أحس أنني ألتقي بأفلاطون وسيرفانتس وأم كلثوم وغاندي وجيفارا ونيتش وابن عربي ودافينتشي ومارادونا. ربما يكون ذلك وهمي. لكنه يسعدني.

بهذا الاستعداد كنت ذاهبا صباح أمس إلى سوق "أشبار" بمرتيل. أعرف أن للسوق نكهة خاصة أيام الآحاد. لذلك أحرص على التمتع به في ذروته، بين الساعة العاشرة ومنتصف النهار.

لم يكن في نيتي القيام بشيء آخر. لكنني التقيت بعبد المجيد. كان يمشي في فرحه المتفائل. يحمل طوله الرياضي بتواضع يؤكده اختياره لملابس أصغر قليلا من جسمه. فتجعله يبدو منحنيا. تعانقنا، كما نفعل دائما كلما التقينا. لم نسأل بعضنا عن اتجاهينا. سرنا معا في اتجاه السوق. كان السوق قربنا، فدخلنا. وأخذت عيناي تعدوان جذلانتان فوق كل ما يوجد حولي.

عبد المجيد لا يكترث كثيرا للأمور التي يعجبني الانتباه إليها في السوق. ولا يحب المطبخ. كانت عادته أن يشتري الطعام جاهزا. لذلك فاجأني حين انهمك في انحناءة على صندوق سمك، وجرني معه. فأطعته، فقط من باب المسايرة، لأنني أحب أن أتجول بالسوق أولا، وأن أرى كل الأصناف المعروضة به. قبل أن أشرع في الشراء. نظرت إليه فرأيت في عينيه نظرة كتلك التي تلبسها أعيننا حين يحصل أن نطلب شيئا ثم نكتشف، أو نتذكر، أننا لا نحمل ثمنه. ضحكت وسألته:

- "هل تريد أن تشتري؟"

فرد علي بكلمات سريعة:

- "لا تلتفت. هل هذا السمك جيد؟ لا تلتفت."

كانت جبهته تنظر إلي، وعيناه مركزتان في نقطة ما عند تخوم قميصي. ثم أحنى رأسه إلى صندوق السمك. فلم يبق ما يمنعني من الالتفات. كانت نوال برفقة صديق لها يمران على الجهة الأخرى من جادة السوق.  فسألت عبد المجيد:

- "ألا تريد أن تراك؟"

- "هل التفت؟ - قال بغضب آسف، وأضاف- ألم أطلب منك ألا تلتفت؟ تراها عرفت أنك رأيتها."

- "يمكن أن تكون رأتنا، لكن عيوننا لم تلتق. أنا متأكد. هل أنتما متخاصمان؟"

- "لا. ليس ذلك. أنا فقط أريد أن أتجنب إحراجها."

- "أيحرجها أن تلتقي بك؟"

- "وبك أنت، وبكل أصدقائها وصديقاتها القدامى."

- "لا أفهم. هل ذلك بسبب صديقها؟"

- "لا. لا. هل أنت غبي، أم تريد أن تتغابى؟ أنت تعرف أنها لا تتحرج أبدا في علاقاتها الحميمة. ثم إن ذلك الذي تسميه صديقها، هو أكثر من ذلك. إنه الآن خطيبها."

- "وما دخلنا نحن فيها؟ هل يعني هذا أن علينا أن نختبئ كلما مر بالشارع أصدقاء أو صديقات لنا."

- "كفى. كفى. الظاهر أنك لا تريد أن تفهم. وكأنك لا تعرف أن أمورا حصلت لها في حياتها وأمورا أخرى لم تحصل، فصارت تتحرج من كل من يعرفها. بل وتكرهه حتى."

- "لا يا صديقي. لا أريد أن أفهم هذه الأشياء. فكل الناس تحصل لهم أشياء في حياتهم، وماذا؟. اسمع، ما أعرفه الآن هو أنني أشتهي أن أتغذى بطاجين من التون الأزرق بالزعتر. أتمنى أن أجده بالسوق. تمن معي ذلك."

ثم لكزته بإصبعي في جنبه، وقلت له ضاحكا:

- "أنت أيضا تريد أن تعد طاجينا مماثلا لحبيبتك تتمتع به هذا المساء مع قنينة "موغربي". هل أعجبك ذلك السمك؟"

- "أي سمك؟"

- "ذلك الذي رأيته في الصندوق."

- "تعرف أنني لم أنظر إلى السمك عندما انحنيت على الصندوق."

- "وماذا ستعد لحبيبتك إذن؟"

كنت أعرف طبعا أنه لا يحب الطبخ. فانتظرت منه أن يضحك. لكنه ردد بعدي:

- "حبيبتي.. حبيبتي.."

لم أتبين ما إذا كان يتهكم أو يتساءل. فقلت له:

- "ماذا، أليست عندك حبيبة؟ وإحسان، هل فارقتها؟"

- "لا، المشكل هو أننا لم نفترق."

- "ماذا؟ تقول "المشكل". هل تنكر أنها حبيبتك؟ قل.. قل إنها ليست حبيبتك."

ابتسم. مع أنني رأيت أن عينيه لم تفعلا. فشعرت كأنني ندمت على إثارتي لموضوع قد تكون لديه حساسية ما تجاهه. فلربما كنت أجهل أمورا عن حياته الجديدة. لأن شروط العيش لا تعطينا ف

المزيد


وصفوها بالحمامة لونها بياط يفاجي

يوليو 25th, 2006 كتبها الفدان: جريدة الأخبار الثقافية التطاونية نشر في , باب التوت

تطوان اسمك عيون وشعار تهادي

تطوان اسمك فوق كل تخيلاتي

مدينتي مدينة الأسوار وبيبان حمايتي

وصفوها بالحمامة لونها بياط يفاجي

قد وقدود في النضال والبنيان العالي

بحبي وعشقي فنات فيك جوارحي

عليك تفجر وحشي فقلبي واعماقي

عليك بنيت أفكاري وروحي وذاتي

تطاون قلب الأسود بدمي نفديك ونحامي

تطوان  قلب الصمود تاريخ ومس

المزيد


بلاد العرب أوطاني…

يوليو 10th, 2006 كتبها الفدان: جريدة الأخبار الثقافية التطاونية نشر في , باب التوت

بلاد العرب أوطاني

          من الشام لبغدان

ومن نجد إلى يمن

          إلى مصر فتطوان

فلا حد يباعدنا

             ولا دين يفرقنا

لسان الضاد يجمعنا

      بغسان وعدنان

لنا مدينة سلفت

           سنحييها وإن دثرت

ولو في وجهها وقفت

   دهاة الإنس والجان

المزيد


فاين انت وذكرياتك أهيا الفدان؟

يوليو 8th, 2006 كتبها الفدان: جريدة الأخبار الثقافية التطاونية نشر في , باب التوت

فاين انت وذكرياتك أهيا الفدان؟!

فاين الأيام اللي عشنا فيك يا الفدان؟!

كلها ذبلت وقضى عليها حكم الزمان

ولت ذكرى ف قاع التاريخ بلا عنوان

كنت شعار دللات المدن هذا التطوان

وشحال تباهت بك يا الفدان بين البلدان

لكن اسمك يبقى خالد طول العصور

فاين اليمام وعشاش الحمام رمز الأمان

والكناريو وأسراب الطيور وأم الحسن

والياسمين والزهر بكل انواعو فاين السوسن

والورد أشكال بلدي ورومي، عطر وألوان

فاين اللرانج اللي نسامو تصحي السكران

والشجر والنخيل اللي تظلل من كان هيمان

وهو حيران، كيتسنى زين البدور!

وذيك الأحواض اللي كانت أبهى بستان؟

شربنا فيها أتاي كيسان مورا كيسان

بسبع عشوب من الزيزوة دعمي الدحمان

فاين القبة الخضرا الشارقة بكل الضيوان

شحال ما شافت من مجد وشي محن

المزيد