من أجل مستقبل شمالي فيه كل الحقوق مصانة، وكل الكرامات محفوظة، وكل الكيانات محترمة…

كتبهاالفدان: جريدة الأخبار الثقافية التطاونية ، في 14 سبتمبر 2006 الساعة: 20:00 م

شهدت مدينة طنجة في الفترة الممتدة بين  21، 22 و 23 يوليوز 2006 مؤتمرا تأسيسيا لـ"منتدى حقوق الإنسان لشمال المغرب". ننشر فيما جزءا من خاتمة الورقة النظرية التي صاغها محمد بلال أشمل، ونوقشت أثناء الجلسة العامة للمؤتمر المذكور:

الإطار الحقوقي الشمالي مشروع وحدوي تاريخي وثقافي وحداثي وإنساني وكوني من حيث هو:

          منظومة متكاملة من الأفكار والرؤى والـتطلعات، تستمد قوتها الموضوعية من المعطيات النفسية والجغرافية، وتستوحي شرعيتها التاريخية من المقتضيات اللغوية والثقافية، من منطلق التعبير عن حاجة ملموسة؛ وهي الحاجة إلى شكل تنظيمي تنخرط فيه كل القوى الواعية بانتمائها إلى هذا الكون الجغرافي والتاريخي والثقافي الشمالي لتحصيل مكاسب عامة ذات طابع حقوقي، ولكنها بامتداد حضاري وثقافي واقتصادي واجتماعي وسياسي. وككل مشروع لا بد له من رجال وأفكار وعزائم لكي يحقق نفسه في الصيرورة كيانا ماديا واضحا، مستقلا عن أي كيان سياسي، فالإطار الحقوقي لديه من الرشد ما يؤهله لكي يمارس حقه في الاختلاف، ويترجمه إلى وقائع مادية، ويبلوره في أشكال مطلبية، بعيدا عن أية وصاية إلا وصاية الشرعية الشمالية، وبعيدا عن أي ولاء إلا لقضيته العادلة.

         أنه ينخرط  بصدق وبشجاعة واستقلالية في السياق المطلبي لحقوق الإنسان في الشمال، ويتوحد مع كافة التطلعات التي ترى إلى مستقبل شمالي فيه كل الحقوق مصانة، وكل الكرامات محفوظة، وكل الكيانات محترمة، في إطار من الوحدة الوطنية، وفي سياق من المسؤولية التاريخية، تجسيدا لإحدى الإمكانيات المتعددة لتحقيق "التنمية البشرية" الـّتي أعلنت عنها الدولة رسميا عبر تحقيق أخص أبعادها وهي حقوق الإنسان الكلية، ولكن باشتراط ضمانات ديموقراطية، عبر جملة من الآليات الفعالة لإخراج التنمية من مستوى الشعار، إلى واقع التطبيق، ومن محض الأمنيات، إلى مادية الفعل؛ واضعا عزائمه وقدراته في خدمة أي فعل تنموي شمالي، ومسخرا إمكانياته المعنوية والمادية في سبيل أية مبادرة صادقة لوضعه على طريق النهضة الشاملة، ضمن منطق تآزري يعمل به، وفي دائرة أخلاق تضامنية يؤمن بها، وعلى هدي حس مبادر يستشعره في أعماقه.

         أنه يؤكد مسلكه التاريخي المستقل في مسار الحركة الوطنية والمقاومة المسلحة في الشمال قديما، وأطراف الصف الوطني والتقدمي حديثا، ويسوق مساهمته الشخصية في استكمال التحرر والاستقلال من حيث أن مكوناته يمثلون جيلا وطنيا يستأنف بناء الدولة الوطنية ديمقراطيا، ويسعى إلى تحرير الإنسان حقوقيا؛ فإذا كانت مهمة جيل الحركة الوطنية، ومن لحقها في الشمال، هي الدعوة إلى تحرير الوطن من الاستعمار، فإن جيل الحركة الحقوقية يدعو إلى تحرير الإنسان من الظلم والقهر والمهانة وكل ألوان الضيم التي تسلبه إنسانيته حقوقيا وسياسيا وثقافيا واقتصاديا. وهكذا تتعاقب الأجيال جيلا بعد جيل في صيرورة متواصلة من أجل بناء الدولة الديمقراطية الحداثية التي يشعر فيها الإنسان بإنسانيته، وقد ضمن كافة حقوقه المدنية والسياسية والثقافية. كما تؤكد للأجيال طابعها الخاص في التقدم الوطني عبر تقديم إسهاماتها العامة من منطلق استقلالي وحواري وتواصلي وديموقراطي، في علاقة نقدية مع التراث السياسي الشمالي، ومع امتداداته في المركز، سواء لدى الأطراف الوطنية اليمينية أو اليسارية، منذ الاستقلال إلى الآن.

         أنه يجسد حقا من حقوق الإنسان الشمالي الثقافية الممتدة في التاريخ، والمتجذرة في الجغرافيا. لقد تم إهمال حقوق الشمال الثقافية في إطار الهيمنة الثقافية للمركز، وتعميمها لنمطها الثقافي التوحيدي، بل وتم اقتلاع رموز هذه الثقافة والإجهاز على ما تبقى منها عمرانيا وسياسيا وأدبيا. ومن كان يمثل هذه الثقافة في الشمال- أو من كان من المفترض فيهم تمثيلها- انخرطوا في سياق التنميط الثقافي، وانصرفوا عن الدفاع عن الخصوصية الثقافية للشمال. ولكن مقتضيات الدولة الديمقراطية الحديثة الـّتي نؤمن بحتميتها، تضطر الجميع إلى الاعتراف بالتعددية الثقافية واللغوية، وتحمل أعتاهم في مواجهتها إلى السعي في احترامها. والإطار الحقوقي الشمالي استجابة طبيعية لهذا التطور السياسي الوطني والدولي، وتفاعل إيجابي مع هذه الصحوة الثقافية التي تزداد يوما عن يوم قوة وصلابة في مجموع التراب الوطني.

         أنه يمثل تيارا حقوقيا حداثيا لأنه يؤمن بالولاء للإنسان في الجغرافيا الخاصة، ويعلن نفسه متضامنا مع حقوق غيره في الجغرافيا العامة، ويستعد للدفاع عن تلك الحقوق بقدر استعداده للدفاع عن حقوقه في تناغم وطني كامل، وتكافل إنساني صادق، بغض النظر عن الدين إلا ما اعتدل، وبغض النظر عن العرق إلا ما توسط، وبغض النظر عن السياسة إلا ما تخلق، فأشد ما يرفضه هذا الإطار الحقوقي الشمالي التطرف في الدين لأن الدين يسر، وأعظم ما يكرهه المغالاة في التزكية العرقية لأن الأصل في الأعراق الاختلاط، وأكثر ما يبغضه غياب المروءة في التدبير السياسي للشأن العام  لأن المطلوب توفر النزاهة فيمن يتصدرون مجالس التدبير العمومي.  

         وهكذا فدواعي قيام  "الإطار الحقوقي الشمالي" دواع قائمة بمعطيات سيكولوجية مثل "الحس الشمالي"، و مبررة بمعطيات ثقافية مثل "الخصوصية الثقافية واللغوية والحضارية"، ومعقولة بأسباب واقعية  مثل الشعور بالتهميش وضياع الحقوق، ومستساغة بالظروف الدولية مثل تنامي تيار المطالبة بالحقوق السياسية والثقافية واللغوية، ومستقوية بالتيار الجارف للتحديث في العقليات والأفكار والممارسات والمؤسسات، وليس على رجال هذا الإطار ونسائه إلا العزم على تمتينها والاستقواء بمشروعيتها التاريخية والديموقراطية من أجل تحقيق ما يتطلعون إليه من شمال إرادي، وما يشتاقون إليه من وطن ديموقراطي، وما يحلمون به من نظام سياسي حداثي.

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات التطاونيين | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر