من أجل مقاربة شمولية لـ" إعادة الاعتبار للأنشطة الاقتصادية بالمدينة العتيقة"
كتبهاالفدان: جريدة الأخبار الثقافية التطاونية ، في 25 سبتمبر 2006 الساعة: 08:00 ص
النص التالي عبارة عن "عناصر الكلمة" التي شارك بها محمد بلال أشمل في ندوة "من أجل إعادة الاعتبار للأنشطة الاقتصادية بالمدينة العتيقة" التي نظمتها جمعية "تجار المدينة العتيقة" (باب العقلة) يوم 31 يناير عام 2003 في "قصر اللبادي"، وننشرها هاهنا كتحية خاصة لأهلنا في تطاون العامرة حين جعلوا أزقتها العتيقة بهية دون أخذ الإذن من المجلس البلدي.
التحية والشكر لجمعية تجار المدينة العتيقة (باب العقلة) على الدعوة الكريمة التي وجهتها لي للمشاركة في هذه الندوة. أحضر بصفتي متأملا للشأن المدائني، إلى جانبكم أنتم الذين تتدبرون الشأن الاقتصادي والتجاري بهذه المدينة العامرة.
كنت أقول دائما إن مدينتنا لم تخضع للتفكير الكلي، ومن ثم تأسيس النظرية العامة فيها. وما لم نمض إلى وضع هذه النظرية العامة، فإنا لن نستطيع التوفق في الحاضر، والتقدم في المستقبل. هذه الندوة هي بعض مما أدعو له من جعل الفضاء المدائني التطاوني مجالا للتفكير الاقتصادي الذي هو حلقة أساسية من التفكير العام في هذه المدينة. والهدف ليس هو فقط ما وضعتم له من شعار وهو "إعادة الاعتبار للأنشطة الاقتصادية بالمدينة العتيقة"، بل إعادة الاعتبار للبعد الحضاري الذي تميزت به مدينتنا. (إذا كان ولا بد من اصطناع هذا اللفظ الذي يحتاج إلى كثير مراجعة) وهذا الهدف النبيل إنما يؤكد البعد المدائني الذي يمكن أن يتميز به حتى التاجر، حينما يسعى إلى تدبير الفضاء الاقتصادي لمدينته. إن التاجر هاهنا يؤكد وعيه المدائني عبر الانشغال بالمشاكل الاقتصادية التي تشهدها مدينته، والسعي إلى إيجاد الحلول المناسبة لها. بل إنه يؤكد حتى البعد الوطني الذي طالما تميز به رجال الحركة الوطنية في الشمال؛ حينما عملوا على تأسيس بنيات صناعية وتجارية في تطاون خاصة، والشمال عامة، وجعلوا من العمل الاقتصادي واجهة نضالية يصرفون بها مواقفهم الوطنية. ولكن هذا التدبير الذي سيمضي إليه التجار، ورجال الاقتصاد بصفة عامة، لا بد أن يرافقه نوع من التفكير حتى يكون تدبيرنا لمدينتنا رشيدا؛ لأن معظم آفاتنا آتية من أنا لا نفكر تفكيرا سديدا، ومن ثم تأتي أعمالنا غير رشيدة. هذا التفكير هو ما سأحاول أن أصنع في هذه العجالة عبر سرد جملة من الأفكار المتعلقة بكيفيات "تنشيط" الأنشطة الاقتصادية بالمدينة العتيقة.
لكن هذا إذا كان ممكنا، فإنه لن يكون في مستوى الفعالية التي يمكن أن يقو م بها أصحاب الصنعة من الاقتصاديين والمشتغلين بالفكر الاقتصادي. ولما كنت من غير هؤلاء، فإني لن أقدم إلا جملة من التأملات التي تقترب من فلسفة التاريخ، وتلتقي مع فلسفة الاقتصاد، دون أن تبتعد عن الممارسة التاريخية أو الاقتصادية؛ لأنها تستغل معطياتها لكي تمضي إلى تركيبها في إطار نظرية معينة تفسر بها وقائع الاقتصاد وحوادث التاريخ.
موضوع هذه الندوة هو تنمية الأنشطة الاقتصادية بالمدينة العتيقة. وهذا يفترض أن تلك الأنشطة الاقتصادية موجودة وعلينا تنميتها والبحث عن أنجع الوسائل لتنميتها. هل توجد هذه الأنشطة الاقتصادية؟ ما يوجد في نظري هو نوع منها وهو المتعلق بالتجارة وقليل من الصناعة التقليدية. ما يوجد هو نشاط البيع والشراء لسلع مستوردة غالبها ومحلية أقلها. أما الصناعة التقليدية فقليل منها مصنوع محليا والغالب عليها الاستيراد من المدن الأخرى. النشاط الاقتصادي لا يتكون فقط من البيع والشراء، بل من الصناعة أيضا ومن السياحة. ينبغي التفكير في إنشاء مقاولات صناعية محلية للصناعة التقليدية داخل المدينة التقليدية. كيف؟ بتعهد وحدات الدرازة، والدباغة والصياغة والزليج …الموجودة أصلا والمهملة. ينبغي التفكير في إعادة تهيئة وتأهيل الوحدات الفندقية داخل المدينة العتيقة، وجعل البازارات سفارات قائمة الذات في البيع وفي التعريف بالمنتوج المحلي. هذا يعني أن تتم تهيئة الظروف المناسبة من نظافة وعرض مناسب وأمن والحرص على عدم الاستغلال الفاحش للطريق العام الذي يسبب الاكتظاظ والنفور من التسوق لدى السائح ولدى المواطنين العاديين. بالنسبة للسياحة الداخلية في المدينة العتيقة، ينبغي أن تتكاثف الجهود بين التجار وبين أرباب البازارات والمطاعم والفنادق لتهيئة المناخ المناسب للسياحة وتنميتها. وذلك بخلق نوع من الشراكة بين الأطراف المساهمة في العملية، وتنظيمها وتأطيرها، وعقد اتصالات مع جمعيات تجارية أجنبية والتعاقد معها للقيام بزيارات عمل للمدينة والتعرف على إمكانياتها والاستفادة من خبراتها. في نظري ليس هناك ما ينبغي تنميته إذا فهمنا الأمور بهذه الكيفية، نظرا لغياب أهم الشروط المناسبة لنشاط اقتصادي صلب على الأقل بالمعطيات المحلية المتوفرة. إذا كانت هناك من تنمية، فهي تنمية البذور الأولى لتلك الريادة التي تميزت بها تطاون في كثير من المجالات ومنها المجال الاقتصادي.
إن العودة إلى التاريخ أحيانا- إن لم يكن دائما- هي التي توفر لنا وعيا سليما عما ينبغي عمله في الحاضر وفي المستقبل. وإذن لا بد لنا من معرفة ما كانت عليه مدينتنا قبل أن نقدم على ما نحن بصدده من تنمية للأنشطة الاقتصادية. وسأجتزئ، لتبيان ذلك، بخمسة أمثلة الأولى هي النظافة، والثانية هي التنظيم، والثالثة هي البعد الإنتاجي للمدينة، والرابعة هي البعد المبادلاتي مع الخارج.
تعتبر النظافة من أهم الشروط في انتعاش الاقتصادي معتبر. غياب النظافة يؤدي إلى تراكم الأزبال، وهذه إلى تراكم العدوى، ومن ثم الأمراض، ومن ثم غياب الإقبال على النشاط وانخفاض الطلب، وربما الموت أصلا. وهذا ما كان يقع في الأوبئة المشهورة التي ألمت بتطاون في العهود الغابرة. قديما كان تدبير النظافة أمرا موكولا إلى مداخيل "الكرنة". وهناك رسالة سلطانية للمولى الحسن الأول إلى أمناء تطاون يدعوهم فيها إلى الاعتناء بنظافة مدينتهم وبتخصيص مداخيل الكرنة لمصاريف النظافة( الرسالة موجودة عند داود في تاريخه ج.6 وهي مؤرخة بعاشر ربيع الأول عام 1296هـ). النظافة ضرورية لأي نشاط اقتصادي خاصة وان المدينة مشهورة بضيقها كما لاحظ ذلك الولي الصالح البوزيدي في رسالة إلى العارف بالله ابن عجيبة.(داود تاريخ.ج6. ص236) في هذا السبيل لا بد من تكاثف الجهود بين الأطراف المعنية بلدية وتجار وجمعياتهم.لا ينبغي أن تصبح لكل مزبلة مدينة كما لاحظ أحد الكتاب عن مدينتنا (محمد الصبان، صباح الأزبال يا مدينتي، الشمال ع.139 يوليوز 2002).أهم الخصائص الحضارية التي تميزت بها تطاون هي النظافة بدأت تندثر مع الأسف وقد كانت سنوات الثلاثينات مثلا تنشر الجرائد إعلانات مصغرة تدعو فيها المواطنين إلى البصق في أماكن خاصة فما بالك بالتخلص من النفايات الصلبة؟
إذا كانت النظافة تعتبر من أهم الشروط لحياة اقتصادية سليمة، فإن التنظيم هو روحها أيضا. وأقصد بالتنظيم ما يمكن أن يعمل عليه التجار، فضلا عن توحيد واجهات محلاتهم، وعرض الأثمان والمعاملة الحسنة، هو تأسيس الجمعيات المهنية المختصة في حقل اقتصادي معين حتى يصبح هو اللسان الناطق بمصالحهم أمام السلطة وأمام المواطنين. ينبغي إذن إعادة الاعتبار لما كان يعرف قديما بتطاون بـ"التنظيم الحرفي"، وتنصيب الأمناء، وتفعيل دور المحتسبين، وإعطائهم السلطة الفعلية، لا الشكلية للتدخل حتى في جماليات المحلات، وكيفيات عرضهم للمواد وجودتها وأثمانها.
البعد الإنتاجي للمدينة وليس البعد الاستهلاكي فقط أو البعد الاستيرادي. كانت تطاون تتميز بصناعات كثيرة مثل صناعة الزليج، وتصدرها إلى مدن أخرى مثل القصر الكبير أو الشاون أو طنجة.(عبد العزيزالسعود، تطوان خلال القرن 19، ص23).لقد كانت لمدينتنا مساهمات نشيطة في اقتصاد القرن التاسع عشر مثل صناعة الحرير من دودة القز وزراعة القطن والرماية بالمدافع مع العمارة في إعداد الكور وعمارتها، وصناعة الحلوى(المنوني/ ندوة تطوان قبل الحماية ص21-31).
البعد المبادلاتي مع الخارج: تنمية النشاط الاقتصادي يعتمد أيضا على مد الجسور بين المدن الأخرى والبلاد الأخرى عربية أو أجنبية. مثلا كانت تجارة البلاغي والريحيات رائجة كثيرا مع القبائل الجبلية وكانت تصدر إنتاجها كذلك إلى النواحي الريفية وطنجة. وقد تعدت شهرة تطاون في صنع البلاغي حدود البلاد فكانت تصدر إلى الجزائر ومصر."(السعود،نفسه. ص12) وكانت تصدر تطاون الكرازي الصوفية أيضا إلى قوات الأمير عبد القادر الجزائري (السعود، نفسه ص36).وبالاسلحة (ص43) كما ربطت تطاون العلاقات مع أوربا منذ وقت مبكر (ص44) ولم يتردد عدد من تجار تطاون في الاغتراب لتنمية تجارتهم حيث أقاموا مدة بالخارج في مصر والجزائر وأوربا(ص42).ولم يخب نجم تطاون في المبادلات التجارية إلا بعد ظهور المسألة المغربية كما يقول "جون لوي مييج" الأزمة الاقتصادية لتطاون في النصف الثاني من القرن التاسع عشرص1-19 ندوة تطوان).
إن تنمية الأنشطة الاقتصادية رغبة نبيلة، ولكن ينبغي أن تترافق بكثير من الصدق، وبكثير من التعاون، وبتكاثف الجهود بين أطراف العملية التنموية من دولة ومجتمع مدني. إن السعي إلى إعادة الاعتبار إلى الأنشطة الاقتصادية يعني فيما يعنيه، أنها ليست بخير. وهذا يفتح الباب على السؤال الكبير: هل باقي الأنشطة مردودا لها الاعتبار؟ أنشطة الثقافة والسياسة والرياضة والاجتماع؟ أنشطة الثقافة متكلسة إن وجدت، ونخبوية إن تكررت، والغائب الأكبر فيها هو المفروض أن يتولاها وهو فرع اتحاد كتاب المغرب. أين هو هذا الفرع؟ أين مواكبته لأنشطة الثقافية والحياة الفكرية عامة في المدينة …كتب تصدر ولا أحد يحفل بها، ومجلات تنشر ولا أحد يهتم بها، وجرائد تطبع ولا أحد يعتني بها!! الأنشطة الرياضية ميتة، إن وجدت في الخفاء، وإن أعلنت كانت محتشمة… أين جمهور فريق المغرب التطواني وأين فريقه بالأحرى!! أين الأنشطة الاجتماعية العلنية؟ إذا وجدت فلأغراض انتخابية محض!! أين الأنشطة السياسية؟ عزوف الشباب عن العمل السياسي فضيحة كبرى. ونفورهم من السياسة يكشف زيف الأطروحات السياسوية للأحزاب التاريخية، وفساد عقيدتها في السياسة المحلية والوطنية!!حتى المقرات التي كان من المفروض أن تكون خلايا للفكر والحوار شغالة باستمرار هي الآن مقفلة والمفتوح منها لقضاء مآرب تنظيمية فقط.
كل هذه الأنشطة غير مردود لها الاعتبار. وهي بدورها تحتاج إلى إعادة الاعتبار إليها لأنها ليست بخير. والتعرض لها في معرض الحديث عن الأنشطة الاقتصادية هو قلب القصيد كما يقال؛ لأن أي نشاط من هذه الأنشطة المذكورة، له صلة ما بالنشاط الاقتصادي: دورة الأنشطة السياسية والاجتماعية والثقافية والرياضية هي دورة اقتصادية بامتياز، ولا يمكن فصلها عن بعضها البعض مما يتطلب التفكير الشمولي فيها والمقاربة الكلية والسببية فيما بينها. إعادة الاعتبار إلى الأنشطة الاقتصادية إذن يدخل فيما أسميه بعنصر المقاومة للتردي العام الذي ترتهن له هذه المدينة العامرة، والذي يدخل في إطار ما أسميه بـ"نظرية النكبة" التي تعرضت لها تطاون في جميع الأصعدة بعد تاريخ طويل من "الريادة الكلية" في جميع المجالات. هناك حاجة إلى إعادة الاعتبار للأنشطة الاقتصادية لأن هناك إحساس بركودها، وهناك وعي بضرورة تحريكها. فإذا صدقت العزائم لتحقيق هذه الإعادة حقا فلا ينبغي أن تكون إلا بكيفية شمولية يترابط فيها الاقتصادي بالثقافي والسياسي والرياضي والاجتماعي، حتى نحقق إعادة الاعتبار إلى البعد الحضاري لمدينتنا وما ذلك على تجار المدينة العتيقة بعزيز.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات التطاونيين | السمات:مقالات التطاونيين
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























