تكريم "امغارة" وصحوة الضمير الحضاري في مدينتنا/ محمد بلال أشمل
كتبهاالفدان: جريدة الأخبار الثقافية التطاونية ، في 25 مارس 2007 الساعة: 14:47 م
أحسنت المديرية الجهوية للثقافة بتطاون صنعا حينما قررت افتتاح "حضور" هـا بتكريم صديقنا الكاتب والصحفي الأستاذ محمد أحمد امغارة. لست أعلم من الذي وقف وراء هذا التكريم على وجه التحديد إلا تخمينا، ولكن يظهر أن السيد المهدي الزواق يعرف كيف ُينزل الرجال منازلهم، ولهذا أرجح أنه كان وراء هذه الفضيلة؛ فالرجل له سابق فضل في كثير من المبادرات التي شهدها قطاع الثقافة، سواء لما كان أمينا عليها هناك في مدينة "الجديدة"، أو لما ائتمن عليها هاهنا في تطاون، وأظهر في جميعها من النزاهة والصدق ما لم يظهره غيره من أبناء هذه المدينة العامرة.
صديقنا أحمد امغارة يستحق هذا التكريم إذن، ومعه الذين يرابطون على محبة مدينتنا في وقت يتخاذل في محبتها كثير من المنتسبين إليها، وينشرون في الناس عقيدة الجحود لذوي الفضل من أبنائها. وأحسبه تكريما بكثير من المعاني، فالرجل لا عصبة ولا عصبية له غير محبته لمدينته وإخلاصه في محبتها، وبعض كتبه التي نشرها على نفقته؛ فلا هو بالمتحزب إلى حزب من الأحزاب حتى نقول عنه إن عصبيته في الحزب يسرت له سبل التكريم، ولا هو منتم إلى اتحاد من اتحادات الكتاب حتى نقول عنه إن عصبته في الاتحاد هيأت له أسبابه. الرجل ملة لوحده، يملك محبته لمدينته ومشروعه في الدفاع عنها أمام خراب عمرانها واغتراب إنسانها عن نفسه وثقافته. صحيح إن له بعض النسب مع اتحاد كتاب المغاربة باللسان القشتالي أو ما يشبه ذلك، ولكن الذين أشرفوا على تكريمه لا علاقة لهم بالأمر، واغلب الظن أنهم انطلقوا من منطلق أن الرجل فرد في عطائه، وحيد في صنعته، ومن ثم فقد انزلوه المنزلة التي يستحقها ككاتب وكصحافي وكإنسان، فكان حضوره حضورا لأخلاق الاعتراف بالفضل لأصحابه. لقد عمدوا إلى الاحتفاء به لأنه علم في محبة مدينته، وكرموه لأنهم علموا منه أنه المخلص في محبتها حين تغير لها القاصي والداني، وصار يأنف من الانتماء إليها "عمر" و"زيد" منهم.
ولا موجب للقول إنهم صنعوا ذلك حين علموا أن الرجل معروف النسب في الكتابة لدى جارتنا الشمالية، فبادروا إلى الاحتفال به خشية أن يسبقهم غيره ممن يقاسمونه اللسان، فيعيروا بتقصيرهم في خدمة ممثلي الثقافة الإسبانية في بلادنا ولهم على ما يبدو مع أهل الضفة الأخرى ولاءات ومواثيق صار العمل بها حقيقة منذ أطلقها مشوهة احد رؤساء الشأن الثقافي في المركز؛ فلو صح ذلك، سيفتح الباب واسعا لتأويلات لا تطيقها النوايا الحسنة لمن يرعى شؤون الثقافة في مدينتنا، وسيستبد الخيال ببعض من في قلوبهم مرض إلى الشطح بعيدا عن سوق الثقافة إلى سوق المال. كما سيخشى على أي عمل صالح من أجل مدينتنا مستقبلا أن يسلك في سلك غير جنسه، ولا من ملته، فيعد رد فعل لا فعل. وهذا أمر ضعيف الصحة في حالتنا، إذ لو كان كذلك لكان ما نقوم به عبث في عبث.
ونحن ننزه أهل العزم في مدينتنا عن ذلك، لا سيما وقد قرّ عزمهم على استخلاص الجودة من الإهمال، وتقديم المعرفة على النكرة، وتخير "حضور" متوهج على "استحضار" باهت. هذا إلى أنا سندأب على اعتبار أي عمل قام به أينا رد فعل على فعل غيرنا هذا مع وجود أفراد من الناس شغلوا الناس خارج تطاون ولا ذكر لهم داخلها مع أنهم بالاعتبار الأول على قدر كبير من الفضل والعلم. تكريم الأستاذ أحمد امغارة -وغيره عما قريب-هو مظهر من صحوة الضمير الحضاري لدى فئة من أهلنا اختاروا سياسة الـ"حضور" بديلا عن سياسة الغياب في تداولنا الثقافي. إنه تكريم للصدق في الانتماء إلى "المدينة"، والشجاعة في التعبير عنه في وقت ازداد الطلب على الانتماءات الغير الحداثية، مرة إلى العرق، ومرة إلى الحزب، ومرة إلى الزاوية، ومرة إلى القبيلة. وأعظم ما أكبرته فيمن قام على تكريم الرجل أنهم التفتوا إلى أحد أقدم ممثلي الضمير التطاوني باللغة القشتالية، كأنهم كانوا يقولون له شكرا على أنك رفعت اسم مدينتنا عاليا حتى عرفها من يتقن اللسان القشتالي، فيعرف منها أنا لا نعيث في الأرض فسادا كما يظن بعض الساسة في الضفة الأخرى، وإنما نملؤها أيضا بكلمات طيبات شعرا ونثرا مثلما يصنع امغارة وصحبه من الذين يكتبون بلغة سرفانتيس، ويدافعون عن تطاون تاريخا وووجودا ومصيرا.
وبالمناسبة، فقد لاح لي من هذا التكريم، أن تطاون وأهلها قد عادوا عودة خير إلى إحدى روافدهم الثقافية، ولكن هذه المرة عن حق لا عن باطل مما يعرفه أمثال هؤلاء المدعين الذين صاروا يتهافتون على باب "الثقافة الإسبانية" وفي أنفسهم شئ من الطمع والجشع عسى أن ينالوا منها ما يناله كل منتظر للعطايا. لقد عادوا إليها وهم يعون أنها لغة رفادية تغني شخصيتهم الثقافية، وتؤكد امتدادهم التاريخي، وتحافظ على أخلاق الجوار مع أصحابها بالأصل. وامغارة أحد الذين ابتلوا بمحبة الثقافة الإسبانية ولغتها، وامتحن بمحبته تلك في شخصه، وفي قلمه، ولكنه صبر وصابر، ولأمر ما أعلن يوم التكريم عزمه على الكتابة باللسان الفرنسي، واستعادة لسانه العربي، والانصراف عن اللسان القشتالي، فلربما كانت الأسباب "البيولوجية" التي جعلها موجبا لذلك ضاغطة، ولكنها غير كافية لكي تحمله على الكف عن الكتابة بالإسبانية، ونرجو أن يكون قرارا مرتبطا بأسباب عرضية لا جوهرية حتى لا يأتي اليوم الذي نقول فيه إنه كانت لدينا شمعة في الظلام فأطفاناها لأنها غير مضيئة بما فيه الكفاية.
وكيفما كان الأمر سيكون تكريم امغارة حدثا تاريخيا في حياتنا الثقافية والعقلية؛ إذ ستكون هي المرة الأولى التي يقع فيها شئ من التعبير عن الفرح خارج الواحدية الثقافية التي يتميز بها تداولنا الثقافي؛ إن بلغته الممعنة في الولاء للفرانكفونية، أو لأفكاره الموغلة في التوحيد الثقافي. وفي جميع الأحوال، ينبغي أن نشكر الرجال الذين سعوا في تكريم امغارة ومعه هذا الملمح المغاير لثقافتنا الوطنية. لقد سخروا له خير من يعرفه: صحبه في الكتابة بالقشتالية الأستاذ عبد اللطيف لمامي الذي تكلم فأحسن، وصديقه في هموم الصحافة "خوسي لويس نفازو" الذي تكلم فأبان، ونظيرته في محبة مدينته السيدة "ساغراريو عباد" التي أنشدت فأثرت في الوجدان، وحركت لواعج القلب، وأثارت أسئلة العقل. أما ما عدا ذلك فهو من "المساوئ الإدارية" التي لا بد ستنتبه إليها المديرية الجهوية للثقافة مستقبلا فتعمد إلى اختيار الرجل المناسب في المكان المناسب حتى لا تكرس، كما كرس غيرها، "نجومية ثقافية"، كانت وبالا على الحياة العقلية في تطاون وما تزال، خصوصا وأنها أقامت حفل التكريم في "دار الصنائع" التي لا معنى لأي عمل فيها مالم يكن جيدا وصاحبه من "المعلمين" لا من "الصبيان" الذين لم يشربوا "الصنعة" جيدا.
ولنضمن لهذه المديرية أنها ستلقى منا الدعم كلما عزمت على تكريم "أهل الصنعة" الصادقين من رجال الفكر والأدب في مدينتنا، ولتعذرنا كما نعذرها إن نحن اشتددنا عليها في النصح متى لمسنا منها انحرافا عما نعتبره معيار الاختيار للرجال: الصدق في محبة المدينة عبر جليل العمل وعظيم العطاء. ولا أشك أن اختيارها لامغارة كان مما يخالف معيارنا، مثلما لن يخالفه فيما ستختاره مستقبلا من رجال أو نساء.
هنيئا صديقنا امغارة على تكريمك المستحق، وهنيئا لمن أشرف على تكريمك لأنهم كرموا مدينتهم في شخصك، وأدعوك أن تتأمل معي ما قاله الفقيه المرير رحمه الله في كتابه "النعيم المقيم" فيصح لك أن من كرمك قد لا يمتاز بتلك الخصيصة التي عابها يوما ما هذا الشيخ العالم على أهلنا في تطاون: "تطوان لها خصيصة باستخفاف أهلها بأهل العلم والفضل، واستهانة ذوي الأقدار من ذوي المعارف والعرفان وإن برزوا … وهذا شئ عنهم شهير، حتـّى كاد أن لا يماري فيه كل خبير…".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ولنا في المسألة نظر... | السمات:ولنا في المسألة نظر...
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























