بكاء ماكر كأنه الابتسامة/ سعيد شقيري

كتبهاالفدان: جريدة الأخبار الثقافية التطاونية ، في 3 يناير 2007 الساعة: 14:19 م

حدث ذلك في صيف بعيد مع شاب يدعى إينا. كان شابا صغير الحجم، لكنه لطيف وأنيق بشكل لم يكن يتناسب في الغالب مع وضعه الفقير وأميته.

التقيت به ذات منتصف نهار خارج سور المدينة وحيدا، يقتعد قطعة ردم ويدخن سيجارة حشيش. لم تكن لتثيرني جلسته تلك ولا وحدته لو أنني لقيته عليهما داخل الحي. فقد كان مألوفا عندنا أن نرى واحدا من شباب الحي يجلس على أي شيء بين الدروب كأنه بقاعة الجلوس بمنزله. يدخن الحشيش أو الكيف أو يقرأ أو يغني، أو لا يفعل شيئا، أو ينتظر أن يأتي صديق له، أو أن تمر حبيبة لا علم لها بحبه. كما كان عاديا أن يهيم اثنان، أو أكثر، في طرقات لا تختارها سوى أرجلهما المخدرة. وقد يجلسان للراحة، بعد طواف، في ساحة عمومية أو في مقهى شعبي يسمح فيه بالتدخين، أولا يكترث لذلك. أو يقصدان ضفة نهر حيث يمكن لأحلامهما الكسلانة أن تركب تياره وتسبح بعيدا بعدها عن التحقق. 

لذلك أدهشني كثيرا أن ألقاه جالسا تلك الجلسة غير المفهومة، بالنسبة إلي.  فرح كثيرا لما رآني، رغم أن ملامح وجهه نادرا ما كانت تجد التعبير المناسب في اللحظة المناسبة. سألته عن سبب جلسته تلك، فأجابني بأنه جالس. وابتسم. وكان علي أن  أقوم بمجهود كبير كي أستطلع من طلاسم وجهه ما يفيدني في معرفة حاله. وهي العملية التي لم تكن في الغالب تكلل بالنجاح. فاقترحت عليه أن يتمشى معي في الاتجاه الذي كنت أنحوه حين صادفته في طريقي. استمهلني قليلا ريثما أنهى سيجارته، وسار إلى جانبي في صمت أليف لم أشأ أن أقطعه.

أشعلت سيجارة وناولته أخرى أشعلها، وقبل أن ينفث الدخان قال لي إنه لم يعد يجد سبيلا إلى النوم، وصمت. وبعد برهة سحب نفَس دخان ثم سألني قبل أن ينفثه أيضا: "أتعتقد أن المنازل الخالية، خالية فعلا؟" فلم أجبه، لأنني لم أفهم القصد من كلامه. فاعتقل دخانا آخر في صدره وأراد أن يتكلم، فسألته مقاطعا: "ألا يمكنك أن تخرج الدخان من صدرك قبل أن تتكلم؟" فنفخ في الهواء دون أن يخرج شيء، وسحب نفسا جديدا، وقال: "إن المنزل المجاور لبيتنا لا يسكنه أحد، فأنا لم أر قط أحدا يفتح بابه الذي يعلوه العنكبوت. ومع ذلك فأنا أسمع من حجرة نومي المتاخمة له، حركة وكلاما". فقلت له إن ذلك أمر عادي، فبعض المنازل الخالية بالحي، وإن كان لا يقطنها أحد، فإن مفاتيحها موجودة. ثم إن مفتاح ذلك المنزل بالذات يوجد عند المؤذن. فأخفض عينيه، ربما استياء من عدم قدرتي على فهمه، ورمى السيجارة بعد مص دخانها، وقال: "ولكنني أسمع ذلك ليلا، وأسمع كذلك صوتا نسائيا وضحكا ورقصا كأنه دخلة." فضحكت من براءته ولم أجد طريقة أشرح له بها الأمر، لكنني جمعت كلمات تلقائية، وقلت له بأن المؤذن أيضا بشر. فهز رأسه نفيا وتابع: "لا. لا. إنهم.. إنهم هم. أنا متأكد من ذلك. فأنا كثيرا ما ألمح قطا أسود يتسلل إلى ذلك المنزل من كوة في السطح. وقد بدأ مؤخرا ينظر إلي نظرات غريبة. أقسم بالله أنني لا أقصد أن أسمع شيئا، لكن الأصوات هي التي تقتحم سمعي. فما ذنبي أنا؟".

هكذا هو إينا. كان بسنوات عمره الأربع والثلاثين لا يفتأ يبدو كصبي يجهل مصادر ألمه. وربما كان ذلك هو السبب في هروب المعاني المنسقة من ملاح وجهه. وكانت قد مرت عدة سنوات منذ بدأت أشجعه على إيجاد عمل قار يوفر عليه بعض التيه، وعلى اتخاذ صاحبة له ترتق رقاع روحه وترفع رأسه أمام نفسه، وتجعل وسادته هادئة مسترخية. فعمل بالنصيحة. انقض على أول عمل صادفه بمقهى ذات صيت بين الدرجات الدنيا من الأوساط الشعبية، تسرق منه اثنتي عشر ساعة في اليوم بأجر زهيد، وتعفيه في أحد أيام وسط الأسبوع من الخدمة. وكان يبدو على وجهه المستحيل أمارات سعادة ما بهذه القدرة الطارئة على المساهمة في مصاريف البيت، وعلى شراء بذلة دجينز، وحداء كلمي رياضي كل خمسة أشهر، وتوفير كل احتياجاته من الحشيش ولوازمه، بما فيها الدَّكّة خارج مكان العمل. وأصبح مغرما بكل بنات الحي ونسائه الشابات، دون علمهن طبعا. يلبد لهن في منعطف الدرب الرئيسي إلى الحي، يقبع هناك حتى يهمد مرورهن، ثم يدلف إلى البيت كي ينام، أو ليستيقظ من تخدره الثقيل، ليذهب باكرا إلى العمل، وليتخدر من جديد. ولكنه كان غالبا ما يعاود الخروج ثانية. إذ كان كلما وطّن العزم على مفاتحة واحدة من معشوقاته، ويهيئ لذلك ما يراه من الكلام الحلو والمقنع الذي كثيرا ما كنت أساعده في نسجه، يظل ينتظرها وهو يسبح بخياله في خيراتها ويبلع دخان البنج. وعندما تمر، يكون رأسه قد نزل إلى ركبتيه، فلا يستطيع رؤيتها إلا من خلال فتحتين ضيقتين في عينيه. ينظر نحوها وهو يقول لنفسه: "انهض إليها.. انهض إليها.. انهض…" إلى أن تغيب عن ناظره، فتقول له نفسه: "غدا أنهض"، فيصنع لها لفافة أخرى يدخنها لها، ثم يحملها إلى الفراش.

تلك هي المشكلة. فنفسه لا تلبث أن تستيقظ في الفراش، فتصحو نارها، فيعلو دخانها، فيتشقق السقف، فيهوي الرمان أحمر داميا، فيتشتت الريش من مخدة الأحلام، فتنكشف الساق الملتفة على عنق الرغبة. " ألم أقل لك؟" يقول لها. ويجرها من شعرها إلى خارج البيت، فيسحق قدميها في الدروب المظلمة الخالية، فتتعب، فيبحث لها عن ركن أليف، فيغرقها بهدوء في الدخان السحري، فتهمد، فتتوب إليه، فيتوب بها إلى الفراش، فلا تبالي بوحشته، فيتوفى إلى الصباح الباكر.

ظل يكرر ذلك بوفاء كلبي إلى أن بلغ الرابعة والثلاثين. وما تقشرت له امرأة.

مع تكرر ليالي الأرق لم يعد قادرا على التبكير. فطردته المقهى. حكى لي ذلك بما استطاع من وضوح لا يملك منه الكثير. وقال لي إنه لذلك أصبح يفضل الابتعاد عن الحي، وأن أصوات القط الأسود غدت تأتيه في الليالي لتطرد النوم من عينيه. ولا يعرف إلى أين يمكنه الهروب بنفسه منها.

كنت عائدا لتوي من مكتب مقاولة للبناء. وقد عثرت به على عمل في ورش ضخم قرب مدينة وزان، سيعمل على بناء مركب فلاحي شاسع. كان الورش ما يزال في حاجة إلى أجساد عاملة غير متخصصة. قلت له ذلك، فتشبث بي، وأصبح يلازمني إلى أن اصطحبته معي.                           

كان إينا في الورش ودودا وهادئا، مع ميل فطري إلى تصديق كل شيء. وكانت ملامحه الباكية حتى أثناء ابتسامه تتسبب له دائما في أن تسند إليه أشغال شاقة جدا. وكان حين يتحدث عن شدة قسوتها لا يتميز من وجهه ما إذا كان يفتخر أم يشتكي. ومن ثم فقد استطاع – في وقت قياسي – أن يراكم كما هائلا من الجروح والرضوض والتورمات على كامل أنحاء جسده، وبشكل خاص رقبته وكتفيه وكفيه وذراعيه.

كنت أعتقد أنه سيغتنم أول تسريح مؤقت لكي لا يعود أبدا إلى ذلك الجحيم. ولست في حاجة إلى القول إن الامتياز الذي يعطيه التسريح (المؤقت) هو أن عملية النقل من تلك المنطقة النائية تكون مضمونة من الشركة، وتكون الكلفة على حسابها. أي على ظهر إحدى الشاحنات العائدة إلى مدينة تطوان أو طنجة بعد إفراغ حمولاتها.

لكن إينا، بعد انقضاء حوالي عشرين يوما على تسريحه، عاد من جديد. ومن جديد أسندت له نفس نوعية الأشغال التي راح يتحدث عن قسوتها بنفس الطريقة.

 

ومع نهاية الصيف كنا قد جمعنا مبلغا كافيا لشراء بذلتين للشتاء ولسد بعض الثقوب الصغيرة. فقررنا العودة إلى مدينتنا.

كان علينا كل مساء أن نغسل أجسامنا لكي لا تتوارى بشرتنا تحت طبقات الغبار والعرق. ولم يكن إينا يفلح دائما في توفير الجهد الكافي للقيام بذلك. وكل ما كان يتوصل إلى القيام به هو غسل كفيه، قبل الأكل فقط. وينام.

هذا كان في أيام العمل العادية، أما وقد انتهينا من العمل، فقد كان لزاما علينا الاستحمام جيدا لمحو كل أثر للأوساخ والتعب من على جسدينا. ونغسل ثيابنا لكي نكون جديرين بالعودة إلى مدينتنا، ولكي نستحق أن يستقبلنا أصدقاؤنا وأهلنا كما لو كنا مغامرين حقيقيين.

قال لي إينا حين كف الماء عن النزول من الثقب الحديدي المفتوح على مستوى حائط الصهريج، حيث داهمنا غبش المساء ونحن بالكاد انتهينا من غسل ثيابنا وشرعنا في الاستحمام:

- "يمكن لنا تأجيل الاستحمام إلى صباح الغد".

لم يعجبني الاقتراح، لأننا كنا ننوي استغلال نهار اليوم الأخير في التجول بالمنطقة وشراء بعض الأغراض قبل مغادرتها ربما إلى الأبد. ثم إن الصابون الذي كنا قد أرغينا به جسمينا كان يحتم علينا إيجاد الماء لإزالته. إضافة إلى أنني كنت أضمر مفاجأة لصديقي تطبعني في ذاكرته مدى حياته.  فاقترحت أن نكمل استحمامنا بالعين الموجودة على الطريق العلوي القادم إلى القرية من جهة الشرق، قبل المرور بمحج يهودي.

امتقع وجه إينا وهو يسمع اقتراحي. جمع ثيابه بحركات انتحاري مرغم، وأخذ يتبعني. لكنه سرعان ما راح يردد علي دون توقف بأن تلك العين مسكونة بالجن. ولا أحد من أهالي القرية يجرؤ عل المرور بها بعد نزول الظلام. ولم يتردد في تذكيري بخوفه الشديد من كل ما له صلة بالجن.

كان الليل قد عسعس بظلمته لما وصلنا إلى العين. أشعلنا شمعتين، وطلبت من إينا مساعدتي في إخلاء العين من السلاحف الصغيرة التي كانت تسبح بها، فقال لي:

ـ "إنها قد تكون أولئك ال .. أعود بالله من الشيطان الرجيم."

فقلت له:

ـ "إن الجن، أيها الأحمق، إذا أرادت أن تختار أجساما لها، فإن اختيارها قد يرسو على إيهاب القط الأسود مثلا، ولكنها، حتما، لن تختار أجسام السلاحف."

فصمت، وأخذ يساعدني على مضض. ثم نسي الأمر تماما عندما أخذنا نغني ونحن نصب على جسدينا أسطل الماء التي نملأها من العين بالتناوب. وكان هو من يضبط الإيقاع بسطل فارغ. وأصم أذني بطول زغاريده الحادة. وفاجأني بموهبة لامعة في مواويل الطرب الأندلسي، وقدرة على تحوير كلماتها واستبدال قصصها بقصته. فتغنى بمعشوقاته الفاتنات المتمنعات، وغنى عن صاحب المقهى الذي طرده من العمل، وعاث فيه بأقدح النعوت، وعن الورش وعماله. ولم يتطرق للمنزل المجاور لمنزله.

لقد أطربني وأطرب نفسه، فرقصنا من النشوة، ونسينا أنفسنا، فطالت مدة استحمامنا إلى أن انتبهت إلى الوقت الذي قد يفر مني فلا يعود بإمكاني تحقيق المفاجأة التي أضمرتها لإينا. فأكملنا اغتسالنا، وعدنا إلى مخدعنا وروائح الصابون المعطر تحمل نعاسا لذيذا إلى أعيننا. لكنني قلت له أن أصدقاء لي ينتظروننا بالمدينة وعدتهم بالزيارة في هذه الليلة. كان سلسا حد الانقياد، فلم يمانع.

وما إن وصلنا إلى منزل الأصدقاء، وفتحت لي صاحبته التي رحبت بكلينا بقبلتين حقيقيتين، حتى سلمته لفتاة جرته إلى غرفتها وهو يكاد يسقط من الارتباك ومن الدهشة.   

وفي الصباح كنا مستيقظين في مخدعنا، بملابسنا اللماعة وذقنينا الحليقتين كعريسين. وكان هو أكثر إشراقا مني. ظللت أنتظره طويلا وهو يهيئ نفسه قبل أن يخرج إلي واضحا ومزينا كملصق إشهاري. وتوجهنا إلى داخل القرية لنشتري فطورنا. ولأنني وحدي الذي أفطر بالخبز، فقد كاد إينا أن يختنق ضحكا علي، حين لم نعثر على الخبز بدكان القرية. كان هو يكتفي بالقهوة. يكسر سوادها بقطرات من الحليب، ويرتشفها مع لفافات الحشيش. ولا يقوى على إيصال لقمة من الخبز إلى فمه إلا بعد ساعتين أو ثلاث.

سألت صاحب الدكان وهو يمد إلينا الحليب وحبات من جبن البقرة الضاحكة وقطعة بسكوتة فوق العادة طلبها إينا لذلك الصباح الاستثنائي:

                    - "ما السبب في عدم وجود الخبز؟ هل أمكن له أن ينفد بهذه السرعة؟"

               - "لا يا ولدي – قال- إن المرأة التي تخبزه دخلت، مع نساء أخريات، في جذبة طيلة ليلة أمس، ولم تخرج منها لإعداده."

               ولما لاحظ أنني لم أفهم، أضاف قائلا:

               - "إنهن محظوظات، لأنهن استدعين إلى حفل زفاف أقامه أصحاب الحال أمس عند العين."

               فصمتُّ وخرجنا من الدكان. وفي الطريق إلى مخدعنا سمعنا سكان القرية يتحدثون، في جماعات متفرقة، عن العرس الذي أقامته الجن بالعين في الليلة الماضية.

                ونظرت إلى إينا فرأيت بكاء ماكرا في عينيه كأنه الإبتسامة.                

         

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : باب التوت | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر