مفهوم الكتابة الروائية /عبد الجليل الوزاني التهامي
كتبهاالفدان: جريدة الأخبار الثقافية التطاونية ، في 11 ديسمبر 2006 الساعة: 01:00 ص
وردتنا من الصديق الأستاذ عبد الجليل الوزاني التهامي هذه الرسالة راجيا نشر مداخلته حول "مفهوم الكتابة الروائية" حيث يقول فيها:
بسم الله الرحمان الرحيم الأخ العزيز الأستاذ محمد بلال أشمل تحيات طيبة وبعد: هذه مداخلة حول مفهوم الكتابة الروائية انطلاقا من تجربتي كنت قد شاركت بها في إحدى اللقاءات الثقافية بمناسبة تقديم روايتي \"الضفاف المتجددة\" ، أرجو أن تنشروها بموقعكم المتميز :\" الفدان\" عبد الجليل الوزاني التهامي:
قال تعالى في كتابه العزيز: \" نون والقلم وما يسطرون \" صدق الله العظيم. بهذه الآية الكريمة التي تقدس القلم وتجعله في منزلة تحظى بقسمه عز وجل. هذا القلم الذي ما وجد إلا ليكتب ويكتب.. بهذه الآية الكريمة العميقة الدلالة أبدأ مداخلتي حول تجربتي الروائية، وطبعا قبل أن تكون \" رواية\" كانت \" كتابة \"، فلا يمكن تحقيق الأولى إلا بمراكمة فعل الكتابة بغض النظر عن الجنس الأدبي الموظف، المهم الكتابة والكتابة فالكتابة ثم الكتابة.. حرفا..كلمة.. جملا.. إنشاء مدرسيا.. رسالة.. ارتسامات.. خواطر ولِمَ لا مذكرات شخصية.. ؟ الطفل في شهوره الأولى لا يكون مطالبا باحترام أدب الكلام قبل أن يتعلم فعل الكلام نفسه. حينما استفسر حول مفهوم الكتابة ؟ أو بعبارة أدق ماذا تعني الكتابة لدي كانسان يمارس أو يحاول أن يمارس الكتابة الروائية؟ ـ أضع سطرا تحت كلمة \"الروائية\" لخصوصياتها كما وكيفا ونوعا ـ ما الذي يدفعني للكتابة؟ ما الذي انشد تحقيقه؟ حينما أواجه بمثل هذه الاستفسارات أو ربما التساؤلات، لأنني أنا أيضا اطرحها على نفسي، لا أجد جوابا واضحا مقنعا شاملا أو بعبارة أخرى لا أجد قالبا لغويا جاهزا يمكنني أن أطمئن إليه، بل هناك شعور يعتريني.. هناك شيء بداخلي أحسه، أكاد ألمسه يعني \"الكتابة\"، لكنه إحساس خارج نطاق التعريف لغويا، أو ربما أوسع من أن تحيط به حدود فردية أو شخصية لان التجربة أوسع وأشمل. إن الكتابة هي خلق وإبداع وابتكار، خلق ما لم يكن موجودا، وهو أيضا خلق جميل؛ أو متطلع نحو الجمال فيكون بذلك إبداعا رائعا. هي رؤية ذاتية للعالم، وبالتالي محاولة تقطيع و تفكيك مكونات هذا العالم وإعادة تركيبها لغويا ـ بمنظور الكاتب طبعا ـ لا كما هي في الواقع. أو كما يراها كل الناس. هي تطلع نحو عالم مثالي، نحو النموذج المتسم بالكمال، بالجمال، وإلا لما اعتبر الكاتب فنانا.. فشرط الجمال أساسي في كل فعل كتابي، وإن أُختلِف حول مفهوم الجمال ذاته، فكل واحد يرى الجمال بمنظوره الخاص. الكتابة نفي لواقع وتأسيس لواقع آخر جديد ينشده الكاتب ويطمح إلى تحقيقه، والنفي هنا بالمفهوم الجدلي ذي الأبعاد الإقصائية كمنهج لا كاعتقاد أو تبني مذهبي.الذي يرصد السلبي ليلغيه، يستحضر الخلل ليبعده، يضع اليد على مكامن الداء ليعالجه. إنها إقصاء للناقص، واستدعاء للكامل ـ تجاوزا فالكمال لله عز وجل ـ هدم فبناء، سعي نحو الخلود وتحقيق المطلق. الكتابة هروب من إحساس أو أحاسيس، من موقف أو مواقف، وهي بالتالي سعي حثيث وركض أبدي وراء تحقيق عالم آخر يحلم به الكاتب. إنها فعل وممارسة لمقاومة الزمان وتحدي الموت، وتطلع نحو سرمدية لإنسان محكوم حتما بالفناء والزوال. وهذا أروع ما في الكتابة حسب تصوري. الكتابة تجاوز ما وقع إلى ما يجب أن يقع، تجاوز ما حدث إلى ما يجب أن يحدث، إنها إلغاء ما هو كائن واستحضار ما يجب أن يكون، أو بعبارة أخرى: صياغة الكون بصورة لا يراها إلا الكاتب، وبالتالي إعادة خلق التوازن بين الناس والأشياء والقضايا والتصورات..إنها اقتراح لبدائل ممكنة لأفكار بالية يجب تجاوزها، هي تحرر من نوازع الذات وقيود الموضوع وحدود الزمان وضيق المكان، هي تخلص من ثقل التصورات و وطأة الأفكار، أو حسب أرسطو تطهير للنفس من المشاعر والهواجس والتوجس والقلق، وبالمقابل تحرير وتخليص للآخر من كل ما سبق، إذا تحقق فعل التواصل بين الكاتب والمتلقي. الكتابة بشكل أو بآخر تحريض على التغيير والتجديد بصورته الايجابية طبعا؛ والتصدي للجمود والتخلف وكسر صخور التكلس والتقوقع على الذات الفردية والجماعية، وتمزيق شرنقة الذل والهوان. وما دامت \"الرواية\" هي مقاربة لحياة ينشدها الكاتب، فإن كتابتها هي تجسيد و ممارسة أخرى لهذه الحياة مشمولة بالحب والعشق و الكمال. من هو الكاتب؟ الكاتب ـ استنادا إلى ما سبق ـ هو ذلك الإنسان الذي يسعى إلى تحقيق كل الأفعال المشتقة من المصادر التي تحاول ملامسة مفهوم الكتابة، أو بعبارة أخرى ما يصاغ منه من أسماء الأفاعيل، فهو مبدع ومتطلع نحو عالم مثالي، وقس على ذلك.. وبإمكاني أن أضيف إلى ما سبق بعض الأوصاف التي ربما تأطر شخصية الكاتب من بعض الجوانب ـ كما التمسته في تجربتي.. إنه إنسان حالم أناني نرجسي إلى درجة الغرور.. متوتر منفعل متفاعل مثير مثار، مطارِد ـ بكسر الراء ـ مطارَد ـ بفتحها. حالم بتصوير عالم مثالي، حالم بالسلم بالسعادة والهناء بالرفاهية والازدهار لأمته، حالم بسيادة كل القيم الإنسانية النبيلة، وهيمنتها، فتراه قلقا باستمرار مهموما بقضايا عصره محليا، وطنيا وكونيا. إنه أناني مغرور لثقته في قدراته، وتمنيه المستمر أن يكون إبداعه متسما بكل عناصر الريادة والسبق والروعة، وتلك هي الصفة التي تجعله دائما متطلعا نحو الأفضل، لا يقنع بما حققه من نجاح في مجال إبداعه. متوتر، وبدون هذا التوتر لا يكون الكاتب متفردا متميزا عن باقي الناس، فآنذاك لن يعير للظواهر الخفية و للأشياء الصغيرة أي اهتمام، فالتوتر ميزة محفِزة على الكتابة تلح عليه ولا يطفئ لواعجه إلا إبداع جميل يرضي هذا الغرور، وبهذا يتحقق الانفعال والتفاعل الملازمان للتوتر لدى الكاتب. الكاتب المبدع قناص، عيناه متأهبتان دائما للالتقاط ما هو مناسب للعمل الروائي، بل كل حواسه في حالة استنفار لرصد مادة صالحة لإبداعه، وهو بذلك مطارَد ـ كما سبق ـ وهارب من فعل الجمود والعادة والرتابة.. إنه باحث عن الجديد الذي يطفئ نوازع التأليف لديه. تلك بعض الأفكار حول الكتابة والكاتب ربما كنت متأثرا فيها ببعض الأدباء والمفكرين ـ وهذا أكيد ـ فقد يتبنى المرء أفكار غير دون شعور منه، ولم أشأ أن أبحث أن أضع لهذه المداخلة صفة البحث العلمي الموضوعي نظرا لضيق الوقت من جهة، ولعدم الاختصاص من جهة أخرى. لذلك اكتفيت بهذه الأفكار المتواضعة التي هي عبارة عن وجهات نظر انطباعية وارتسامات شخصية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات التطاونيين | السمات:مقالات التطاونيين
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























