في حوار مع محمد بلال أشمل: أنا حقا متعصب لمدينتي من حيث الانتماء إلى المستقبل والحداثة !
كتبهاالفدان: جريدة الأخبار الثقافية التطاونية ، في 1 مايو 2009 الساعة: 13:38 م
أجرى معي صديقي الأستاذ بدر الحمري حوارا نشرته ناقصا إحدى الأسبوعيات الوطنية. هنا "الذيل والتكملة":
بداية، نـريدك أن تحدث قراء [أسبوعيتنا] عــن البدايات الأولى من عمرك في التحصيل الدراسي إلى حدود المرحلة الجامعية..
· إذن تريدني أن أكتب لك سيرة حياتي؟
ولم لا؟ بالمناسبة، هل سنقرأ لمحمد بــلال أشمل سيرة ذاتــــية قريبا ؟
· طيب أسيدي ..أنا الآن في مرحلة إعداد المعطيات الضرورية لكتابة "سيرة دراسية" تشمل مرحلة التحصيل الدراسي في المرحلتين الابتدائية والثانوية وبعضا من "أيام المسيد" المجيدة. المشروع سينجز بتعاون مع بعض أساتذتي الكرام في كلتا المرحلتين ممن تربطني بهم أواصر الصداقة والاحترام والتقدير، وأيضا مع بعض أصدقاء الدراسة ممن قدر لي أن أتصل بهم في تطاون أو خارجها. أما المرحلة الجامعية فستكون ضمن مشروع "سردي" موسع. وإذا سمحت لي باستعارة عبارة أبي الوليد في "بداية المجتهد" مع تحويرها قليلا لقلت: وإن أنسأ الله في العمر فسنضع كتابا في الترجمة الذاتية والغيرية على مذهب فريد مرتبا ترتيبا صناعيا على حسب المراحل الوجودية من الحياة الشخصية. وكيفما كان الأمر، أستطيع أن أقول لك إني كنت محظوظا جدا أن درست في تطاون وفاس والرباط ومدريد. وأعتبر أن مرحلة التحصيل العلمي التي ابتدأت في مسيد بحومة "البطحاء" على يد الفقيه الفاضل عبد الرحمان الفتوح بارك الله في عمره لم تنته إلى الآن ، وإنما هي رحلة ممتدة أفقيا وعموديا وسيكون من المفيد في نظري التأريخ لها لاسيما مرحلة فاس الأساس التي كان لها عظيم الأثر في حياتي العلمية والشخصية.
كـــيف تـتذكر أول نص نشر لك ؟
· أتذكره بعظيم الفرحة، وواسع الأمل، وكبير الأسى ؛ فأما الفرحة فقد هيأ لي نشر أول مقال لي عام 1982 بجريدة "الرسالة" التي كانت تصدر بالرباط ويديرها المجاهد أبو بكر القادري، مكانة اعتبارية وسط أقراني في قسم السادسة ثانوي ولدى هيئة إدارة ثانوية الشريف الإدريسي بتطاون حيث ضمنت بين أظهرهم لقب "الكاتب" و "الصحافي" طوعا وكرها، بعد أن سرت فيهم بسيرة "المناضل الثوري" المعتمر للكوفية، والمتسربل بلباس عسكري كنت اشتريته بخمسة دراهم من "الغرسة الكبيرة". ولك أن تتصور أيضا مبلغ الزهو الذي كنت أشعر به حين كنت أجاور أستاذي لمادة التربية الإسلامية الأستاذ محمد بركاز حفظه الله، في نفس الجريدة. ثم لك أن تتصور مقدار الافتخار الذي كان يملأ علي كياني وأنا أمر أمام ناظر الثانوية الأستاذ مزروع وهو يمسك بنسخة من نفس الجريدة حيث مقالي المنشور بالبنط العريض وفي نظراته بعض الكلام الحائر. وأما الأمل، فقد امتد أمامي في الأفق منذ اللحظة الأولى التي نشر لي فيها المقال المعلوم؛ فقد تهيأ لي أني سلكت "طريق الذي يذهب دون أن يعود". ولتكرار لحظات الفرح، كان علي أن أكتب وأنشر، ثم تيقظ الوعي لدي أن الكتابة موقف وشهادة، فلم أعد أنشر إلا ما وثقت في قيمته وتيقنت من جدواه. ثم أدركتني "حرفة الصحافة"، فسعيت إلى إصدار "مجلة القضية: مجلة السؤال والإبداع" عام 1985 خلال مرحلة التحصيل الجامعي بفاس، وبعد تخرجي بسنوات أسست رفقة آخرين جريدة "الأنوار" في تطاون عام 1993، وبعد ست سنوات أي عام 1999 أصدرت جريدة "تطاون العامرة: منبر المسؤولية الحضارية". وخلال هذه المدة ظهر لي أن "حرقة الصحافة" متمكنة من نفسي، ولكني لما رأيت كثيرا من الإفك والبهتان يرتكب باسمها، ضربت صفحا عن إصدار أي منبر ورقي-وهل أستطيع؟- واستعضت عنه بإصدار منبر رقمي هو جريدة الأخبار الثقافية التطاونية، "الفدان". وأما كبير الأسى، فهي أن صلتي انقطعت بالرجل الذي سعى في نشر مقالي الأول، وأعني به الصحافي المقتدر الأستاذ عبد القادر الإدريسي حفظه الله. لقد كان لهذا الرجل الفضل علي في منحي لحظة وجودية عميقة جدا وهي فرحة رؤية اسمي مكتوبا في جريدة ورقية لأول مرة. وإن نسيت فلن أنسى كيف انه احتفل بمقالتي تلك ونشرها في صفحتين، وكان هذا صنيعه في جميع المقالات التي كنت أرسلها للنشر في جريدة "الرسالة" التي كان يرأس تحريرها. وهكذا استمر الحال إلى حدود سنة 1985 حيث أفضت بي الأقدار إلى مسالك أخرى في عالم الكتابة والنشر. لقد أثبت الرجل حقا أن المرء يكون كبيرا بتواضعه فقد كان ينشر لي مقالاتي ثم يرسل إلي نسخة من الجريدة-وأنا تلميذ في السادسة ثم قسم الباكالوريا- مع بعض كتبه حول قضايا الفكر الوطني والإسلامي كهدايا - وهذا الصنيع لم يتكرر مع الأسف إلا نادرا مع غيره داخل المغرب أو خارجه. ولك أن تتخيل مبلغ الاعتزاز الذي شعرت به ذات يوم لما زرته في الرباط واستضافني في بيته عقب نشر مقالتي المعلومة: لقد ضاعف هذا من ذلك الشعور بالمسؤولية الذي شعرت به في تطاون يوم أن حملت لي إحدى زميلاتي في الثانوية نسخة من الجريدة حيث نشر مقالي. وهاهي نفس المسؤولية التي لأمر ما شعرت بها ثقيلة أكثر لما أتيحت لي مصافحة رجل كان في زيارته هو الآخر في نفس اليوم الذي زرته في مكتبه بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وهذا الرجل كان اسمه عبد رب الرسول سياف الذي كان أو بسبيله إلى أن يكون-لا أعلم حقيقة- أمير المجاهدين ورئيس الاتحاد الإسلامي لمجاهدي أفغانستان. كل هذه "الذكريات" ما تزال حاضرة في الذهن ومشتعلة في الوجدان وجمالها يترسخ كلما امتد بالمرء العمر وانتثرت أمامه الرؤيا. وقد يأتي اليوم الذي أتحدث فيها بتفصيل أكثر حتى تكون كلمة حق وشهادة تقدير في كل الذين أدين لهم بفضل طيلة حياتي التعليمية والثقافية.
ماذا يعني أن تكون مدرسا للفلسفة ؟
· أن تكون محاورا لبقا مع الأجيال. أنت تعلم أن قيمة الحوار في مجتمعنا الراهن قيمة في انحدار مهول. والأجيال التي ندرس لها الفلسفة أكثر الشرائح الاجتماعية تأثرا بهذا الوضع. فماذا عساك تقدم لها غير إحدى القيم المفقودة في محيطها وعالمها. لقد برمت من "التكفير" كلما عبرت عن رأي، وضاقت بـ"التخوين" كلما فكرت في "الهجرة إلى الضفة الأخرى، أو دعت إلى إعادة النظر في "المواطنة" وجعلتها اختيارا لا اضطرارا، وساءها أن تتلقى الأوامر من كل فاقد للمصداقية، وتكون مطيعة طيعة لا ترد أمرا ولا تعصي إرادة لكل من فقد مشروعية قانونية أو أخلاقية. ثم إن "المعارف" أكثرها متاح باتساع الوسائط المعرفية في زماننا؛ فهذا الجيل قطع أشواطا بعيدة في عصر القراءة الرقمية. ماذا عساك تضيف إليه إذن إن لم تخض معه التجربة الأصيلة في كل ممارسة فلسفية: الحوار؟ وتعود من ثم إلى سلوك البدايات الأولى للسيرة السقراطية في "الأغورا" أو "الفدان"، وتقدم له، بدلا من "المعارف" الجاهزة، جملة من "المواقف" الحية.. على المرء أن يكون على قدر من التواضع العلمي والأخلاقي لكي يخوض تجربة تدريس الفلسفة بعيدا أن أي ادعاء في "التعليم" أو في "التربية". ثم له أن يكون على قدر كبير من الشجاعة الأدبية لكي يعلن انتصاره للفلسفة في محيط لا يقيم وزنا لصوت العقل، ولا يعبا بوازع الأخلاق، ولا يحفل برأسمال القيم.
من هـــم الفلاسفة الذين أثروا في مسارك الفكري ؟
· مسألة تأثير فيلسوف بعينه في مساري الفكري مسألة صعبة في تقديري الشخصي على الأقل فيما يخصني. كل الفلاسفة الذين كنا نقرأ لهم إنما كنا نعيش معهم أيضا بمعنى من المعاني ومن ثم نرتبط بهم عقليا ووجدانيا بدرجات متفاوتة. ولكن جميع من صحب الفلاسفة قراءة وحياتا سيقول لك عن جميعم إنهم موضوع احترامه وتقديره. وهذا حالي مع أسماء معينة يمكن أن أذكرها لك أمثال جبران خليل جبران في كتابه النبي، وحسن حنفي في تتلمذي المباشر على يديه ولاحقا بوساطة أعماله، وعلي شريعتي، وابن رشد وغيرهم. ولكن إذا كان لي أن أختار فيلسوفا بعينه عشت معه طويلا فهو الفيلسوف الإسباني خوسي أورتيغا إي غاسيت (1883-1955). لقد تعرفت على هذا المفكر الأصيل عن طريق شاعر ومفكر إسباني آخر هو أنطونيو ماشادو؛ فبعدما عشت مع صاحب "براري قشتالة" السنوات الطوال قارئا ومتذوقا ومتأملا، سلمني إلى "المشاهد" فصار صديقي القريب إلى درجة أني كنت في وقت من الأوقات لا أطيق مقالة أبي حيان التوحيدي في الصديق الذي لا ينبغي أن تسيئك منه نقيصة أو نقيصتان. لقد كان "خوسي أورتيغا" صديقي الوفي، ولما نشر الكاتب الصحافي "غرغوريو موران" كتابا عنه عام 1998 قال فيه ما يسئ إلى تراث الرجل، أصابني بعض الكدر أذكر أنه لازمني وقتا من الزمن. ولم أستطع التخلص منه إلا لما تمكنت مني من جديد أدوات الحكم الموضوعي على الأشخاص والأشياء بعيدا عن أية عاطفة إنسانية أو دينية أو وطنية. الصداقة الفكرية والروحية للفلاسفة شئ ثمين، ولكنها أحيانا تمنع صاحبها من تبين مواضع النسبية في أشخاصهم وأفكارهم ومواقفهم. ومهما يكن من أمر، فالتاريخ الفكري الشخصي هو أمشاج من تواريخ فكرية لعدد من المفكرين والكتاب والمؤرخين وأيضا من التجربة الشخصية والغيرية.
نعـــلم أنك تنظر إلى ‘ تـطاون العامرة .. أفقا للتفكير ‘ …
· صحيح، ولكني في نفس الوقت أنظر إليها كأفق للتدبير. وهذا ما ذكرته في كتابي الصادر عام 2002 . وبيان ذلك أن التفكير السديد يثمر التدبير الرشيد. إنك تعلم أن بعض آفاتنا صادرة من أن من يتولى أمور التدبير عندنا تنقصه القدرة على التفكير السديد فلذلك تجد أن معظم تدبيرنا لمصالحنا تدبير غير رشيد. ولكن لا ينبغي أن يفهم هاهنا أن الأمر يتعلق بتفكير تقني مباشر لشؤون "بلدية"، بل الأمر على العكس من ذلك، يتجاوز ما هو جزئي إلى ما هو كلي. مشروعي هو تأسيس "النظرية العامة في تطاون ضمن ما أسميه بـ"الفكر المدائني" القائم على جعل المدينة بدل الوطن أفقا للتفكير، ومن ثم جعل "التواطن" بدل "المواطنة" مناسبة للفعل انطلاقا من مواطنة اختيار لا مواطنة اضطرار. وأعتقد أنا نحتاج داخل الفكر المغربي هذا النمط من التفكير في مكاننا المشترك انطلاقا من أفق مديني محدد يتولى كل واحد منا جعل مدينته موضعا للتأمل والتدبر. ولك أن تتصور حصيلة ما يجتمع إليك من ثمار: متن فكري معتبر للتفكير الكلي في المغرب. ولا سبيل في تقديري إلى إنجاز التفكير الكلي في المغرب من دون الانطلاق الأولي من بعض الآفاق المدينية المشخصة التي يقتدر أبناؤها التفكير فيها لما قد يرون لها من معقولية فكرية أو حضارية أو ثقافية أو تاريخية. لقد حان الوقت لكي يستعيد المغاربة صلتهم الحقيقية بمدنهم من حيث كونها إمكانيات حداثية. ولعل المدخل الحقيقي لتحقيق ذلك يتم عبر بوابة التاريخ. على المغاربة معرفة تاريخ مدنهم، ويعني هذا على أهل الصناعة في التاريخ إعادة كتابة تاريخ مديني يتعرف بوساطته الناس على الأمكنة التاريخية التي يعيشون فيها ولا أقول ينتمون إليها لأن هذا موضوع آخر.
شاركـتــم مـؤخـرا في نـدوة حـول تخليق الحياة الثقافية بطنجة، وكانت ورقتك تــشخص ‘ آفات التداول الثقافي في تطاون ‘ ، هل يمكن أن توضح لنا أكثر [مضمون] هذه الورقـــة؟
· إذا كنت تعني الندوة الأخيرة حول "تخليق الحياة الثقافية في المغرب" المنعقدة في طنجة، فقد سعيت في ورقتي إلى رصد بعض "آفات التداول الثقافي في تطاون" وذلك أني رأيت أن دعوى "التخليق" لا بد أن تسبقها دعوى "التحقيق"، أي لا بد من تحقيق القول في هوية الآفات وطبيعتها، حتى نتمكن من "تخليق" الحياة الثقافية لأن من يقول "التخليق" يقول "الآفات" ضمنا. وهذا ما أحببت أن أقوم به من منطلق الاهتمام بالتداول الثقافي في مدينتي. تعرف أني لا أحب أن أكون "باسبارتو الثقافة" –أي ذاك المثقف الذي يتكلم في كل شئ بادعاء ظاهر وبشكل كاريكاتوري يبعث على الشفقة وهذا بالمناسبة بعض آفات تداولنا الثقافي- ولذلك اخترت الحديث عما أعرفه وأكتوي بناره يوميا في هذا البرزخ الوجودي الذي اسمه تطاون. آفات التداول الثقافي في مدينتي تشبه إلى حد قريب آفات عموم المغرب مع اختلافات بسيطة في الشكل وإضافات طفيفة في الجوهر نظرا لمقتضيات التخوم الجغرافية وطبيعة الإرث الاستعماري الإسباني مثلا. ولذلك حين تحدثت عن تلك الآفات فقد يحتمل أن تنطبق على باقي الحياة الثقافية في المغرب إن لم تنطبق عليها فعلا. هذا إلى أني بصدد وضع اللمسات الأخيرة على كتاب لي يدور فصل من فصوله على تلك الآفات. وإذن فنحن أمام نموذج جزئي لما يقع في الوطن، ولكنه يصلح أن يكون هو النموذج لأنه يتكرر في تقديري في باقي الخريطة الوطنية وقد تحدثت بالمناسبة عن هذه المسألة في كتابي الذي أشرت إليه سابقا تحت عنوان " آفات بعض متثاقفي مدينتنا ومتصاحفيها". الموضوع يحتاج إلى جرأة وصدق مع النفس، ومع الأسف هذا ما يغيب عن حياتنا الثقافية المليئة بالادعاء والكذب وانعدام المروءة…
اهتمامك هذا قد يجــعل البعض يتهمك بالتعصب لمدينتك…
· من حسن الحظ أنك استعملت لفظ "قد" وإلا لطالبتك بإفادتي عمن يكون قد اتهمني بالتعصب لمدينتي لأنه ببساطة لا يوجد لدينا إلا "نقد المقاهي"-وهي آفة معتبرة في سلم الآفات التي تشكو منها حياتنا الثقافية- لم أقرأ لأحد كتب يقول إن فلانا متهم بتعصبه لمدينته. هذه فرضية -إن صدقت- فهي قائمة على الجهل والهوى. أنا حقا متعصب لمدينتي من حيث الانتماء إلى المستقبل والحداثة. أيريدني الناس أن أنتمي إلى الحزب أو إلى القبيلة أو إلى العرق أو إلى الزاوية حتى يرضوا عني؟ ثم إن من يقول ذلك عني فهو يمنحني فرصة طيبة للفخر والاعتزاز. لكن دعني أشرح لك كيف يكون التعصب حقا: أن يزعم المرء أن مدينته هي "أم الدنيا" وان غيرها لا يعدو أن يكون عدما، أو أن يدعي مدع أن مدينته هي أفضل من غيرها من دنيا العالم. هذا ادعاء وزعم باطلين يمهدان لفاشية أين منها فاشية بعض النعرات العرقية التي صرنا نعاني بأسها اليوم في بلادنا. لا أعتقد في هذا النوع من التعصب المذموم، ولا أحب أن أمارسه وأرى أنه مرحلة متطورة من السذاجة العقلية وعلامة اعتلال ظاهرة في الحس الوطني. ما أعتقد فيه هو أن مدينتي كانت قدري، ومن ثم من واجبي أن أفكر فيها، وأحبها وأعمل من اجل مرضاتها انطلاقا من تصور منهجي يقدم "المدينة" المشخصة على "الوطن" المجرد. لو كنت في مكان آخر غير مدينتي لكان سيكون اختياري شيئا آخر. أما وأن تطاون شهدت مسقط رأسي، وموضع "حياتي"، فيها أعمل وأشتغل وأفكر، ومن خلالها انظر إلى العالم من حولي، فهي من ثم اختياري الأوحد الذي أعتز بالانتماء إليها واحرص على أن تكون عامرة عامرة. ولكن في نفس الوقت، لدي الوعي أني مواطن عالمي أمارس إنسانيتي من أفق محدد ومن مكان مشخص ولعل هذا هو التحدي الحقيقي لنا: هو أن تفكر في المجرد انطلاقا من مكانك المشخص. هذه بداهات نجد أن بعض الناس يحاججون فيها عن جهل وعن هوى.
"مناسبات أورتيغانية" عنوان مؤلفكم الجديد الذي صدر مؤخرا، هلا قربت لقراء [أسبوعيتنا] الكتاب أكثر ؟ ..
· كما قلت في تصديري كتابي، "مناسبات أورتيغانية" هو طائفة من "مقالات في الفكر الإسباني المعاصر"، منها ما نُشر ومنها ما لم ينشر؛ وكلها تتناول الموضوع الإسباني في بعده الفكري والفلسفي والتاريخي، إما بالوجود كفكر له حضوره في لغته وأرضه، أو بالامتداد كفكر منتشر في لغات وأصقاع أخرى. غاية جميعها، فتح نافذة الفكر المغربي على التجربة الفكرية الإسبانية القريبة منا كلما مضى بنا البحث في شمال الفلسفة، أو ساقنا النظر إلى جنوب التاريخ. ولقد كتبت نصوصها ما بين 1995 و 2000 إلا اثنتان. ومع حلول الألفية الجديدة على زماننا، أحببنا نشرها في كتاب حتـّى ُنبدد "مخاوف سنة ألفين" كما صنع قريبا من هذا "خوسي أورتيغا إي غاسيت" عام 1904. ولم نكن نقصد بتلك المخاوف إلا استمرار اشتغال الفكر الفلسفي المغربي بنفس الواحدية الفكرية الـّتي كان يشتغل بها منذ ظهوره، دون أن يجدد في آلاته، أو يغير في غاياته وهو مقبل على ولوج ألفية جديدة. وقد مرت بضع سنين منذ ذلك الحين، ولم يقدر لنا نشر الكتاب أسفا، وِكدنا نضرب عنه صفحا لما كاد يقع في ظننا أنا قمنا بما كان يجب علينا القيام به، وهو نشر بعض مواده في المجلات والصحف السيارة والكتب الجماعية، والاجتزاء بما كنا دعونا فيها إلى تعديد مصادر الفكر الفلسفي المغربي المعاصر، واتخاذ الفكر الفلسفي الإسباني مناسبة جديدة لتجريب الحوار الثقافي. ولما رأينا من الفكر الفلسفي المغربي حرصه على صورته الـّتي بها عرفناه، جامدا على الواحدية الثقافية، ُمخلصا للهوية الأولى الـّتي انطلق منها يفكر، وصار ِبهديها يُدبر خرائط الزمان والمكان المغربيين بغير اقتضاء لضرورات التاريخ، ولا انتباه لتخوم الجغرافيا، صار لدينا الاعتقاد بأن مقالاتنا ما زالت تنطوي على بقايا معقولية زمانية مبررة بفائض المعقولية الفكرية، وإلا فقد كادت تموت بعض قناعاتها بالاختلاف مع إكراهات الوقت المغربي شئ واحد حرصنا على صنعه وهو صياغة العنوان من الأفق المفهومي للفكر الفلسفي الإسباني، استوحيناه عمدا من "خوسي أورتيغا إي غاسيت" حتـّى نؤكد به بعض ما نعتقده في مقتضيات التفكير الفلسفي المغربي، ونقدم به نموذجا من الإحالة على المناخ العام لكتابنا من حيث هو كتاب يقدم بعض وجوه الفكر الفلسفي الإسباني، أغلبها له صلة قريبة أو بعيدة بصاحب "موضوع عصرنا"، أو ببعض مناسباته.
أنت على رأس ‘ الجمعية الفلسفية التطوانية’ التي أسست يوم 26 ماي 2006، بعد سنتين و نيف . ما هي الحصــيلة ؟ ..
· الحصيلة واعدة طبعا بإرادة كل من يشكل هذا المشروع الفكري والثقافي الجديد. ولعل إحداها أنا نشرنا في الناس اختيارا بسيطا هو عنايتنا بالشأن الفلسفي الإسباني كإحدى مبررات وجودنا الفكري والثقافي في مكان لا تخفى على عين المراقب الحصيف دلالته. لكن إلى جانب عنايتنا بالفكر الإسباني، نعنى أيضا بالفكر المغربي والعربي والإنساني عموما. أتعلم أن بعض الناس ساءهم أن نسمي جمعيتنا بـ"التطوانية"؟ لقد أعمتهم قلة ثقتهم بذاتيتهم عن تبين بديهية من البديهيات التي تكثر في تاريخ الفلسفة حين نسبة الاشتغال بالفلسفة إلى مكانها: "حلقة فيينا"، و"مدرسة فرانكفورت" و "مدرسة مدريد"…ينبغي عليهم منذ الآن أن يستاءوا من تسمية بعض الأسماء ذات البعد المركزي في "الرياضة العضلية" مثل "المغرب الفاسي" أو "المغرب التطواني"، ويتقبلوا جمعية متواضعة في انتمائها إلى مكانها المشترك تعمل في مجال "الرياضة العقلية". يظهر أنا لم نتصالح بعد مع "المدينة"، وهذه هي إحدى عوائق تقدمنا، ولما نفعل ينبغي أن تكون دائما هي "المركز"، وإلا لاتهمت بالتعصب أو غيره من الاتهامات. لكن دعني أقول لك بكل فخر أنا صنعنا اسم بلادنا بدرا منيرا في سماء الفكر الإنساني حين اصطنعنا اللغة القشتالية وسيلة للتواصل، وسخرنا الشبكة العنكبوتية وسيلة للعمل. ولعل المرحلة الماضية من حياة جمعيتنا كانت بالأساس مرحلة تعريفية بهذا الكيان في إسبانيا والبرتغال والعالم الأمريكولاتيني إما عبر الحضور الفعلي في بعض مؤتمرات الفكر والفلسفة فيها، أو بالمشاركة في منتدياتها أو بالمساهمة في كبريات مجلاتها. فبفضل جهودنا صار العالم يعرف أن في تطاون المغربية حياة عقلية وثقافية وليس فقط حياة التهريب والمخدرات والشذوذ كما يحرص بعض الناس على تقديم مدينتنا إلى العالم. نحن الآن أحد المخاطبين الرسميين لقسم الفلسفة باليونسكو، وعضويتنا في الفدرالية الدولية للفلسفة بسبيلها للتفعيل قريبا، ولنا تعاقدات مع إحدى المؤسسات الثقافية في الخارج لإحياء ذكرى دولية لأحد الفلاسفة، ولدينا صلات وثيقة مع الجمعيات الفلسفية في إسبانيا والبرتغال والبلدان الناطقة بالإسبانية في أمريكا اللاتينية، وكونا صداقات مع رجال الفكر والثقافة في معظمها، وصار الناس هناك يعرفون شؤون التداول الفكري والثقافي في تطاون والمغرب مما تحرص بعض المنابر الصحافية والإعلامية أن تستره بالغربال. أنجزنا أنشطة وندوات إشعاعية متعددة، واحتفلنا لدورتين باليوم العالمي للفلسفة بتنسيق مع اليونيسكو، وأنجزنا معرضا للكتاب الفلسفي المدرسي والإسباني، ونظمنا أياما فلسفية رمضانية، وأقمنا عيدا للكتاب في بعض ثانويات وإعداديات مدينتنا، ونشرنا موادا فكرية وتربوية وثقافية وإخبارية في شرفتنا التواصلية الرقمية باللغتين العربية والقشتالية، وشاركنا بصفتنا الشخصية أو الجمعوية في بعض الأنشطة الفكرية داخل المغرب وخارجه آخره في مدينة "البسيط" بمناسبة مؤتمر المستعربين الإسبان حيث عقدنا صلات ثقافية وجمعوية مع كثير من أطراف الشأن الفكري والثقافي الإسباني….عمر جمعيتنا سنتان ونيف، ولكن احسبها بحساب الإرادة تجدها أكثر، وبحساب العزيمة تجدها بلا حدود.
ماهي قـراءتك للوضع الدولي عمــوما ؟
· قراءة متفائلة دوما منطلقها ثقتي في منطق التاريخ الذي سيقضي بسقوط الأقنعة، وانكشاف الحقائق، وان الشعوب إذا أرادت الحياة فلا بد أن يستجيب القدر.
من هو المثقف و كيف تنظر إلى المهام التي يجب أن يكون عليها في عالمنا المعاصر؟
· ما زلت أومن أن المثقف هو ضمير الأمة الحي، ومن ثم عليه أن يكون صادقا في مسؤوليته أمينا في مهمته التنويرية للأجيال، قارئا جيدا للتاريخ، منصتا بارعا لنبض الحاضر، ومستشرفا حكيما للمستقبل.
لو رخـص لـكـم بتأسيس حزب سياسي، ما الأهداف التي ستدافعون عنها ومع من ستتحالفون ؟..
· أخي بدر، تعلم انه لن يرخص لي بتأسيس حزب سياسي بالمواصفات التي أريد، وتعرف أن التجربة السياسية التي ساهمت فيها في بداية الألفية الجديدة كانت محض سراب لأسباب قد يحين أوان الحديث عنها في مكانها، وتعرف رأيي في الأطراف الممكن التحالف معها فيما لو كانت هناك إمكانية لتأسيس حزب على مقاس الطموحات ومبلغ الإرادات، فإذن أعفني من الجواب.
ســـؤال أخيــر: شــعاع يــشـــع في حــياتك ؟
أسرتي الصغيرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : حوارات ... | السمات:حوارات ...
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























