سيدة الفرح/ عبد الجليل التهامي الوزاني

كتبهاالفدان: جريدة الأخبار الثقافية التطاونية ، في 2 نوفمبر 2006 الساعة: 07:00 ص

كانت الساعة قد جاوزت منتصف النهار حينما تحركت ربيعة في فراشها، كانت لازالت تشعر بخدر يهيمن على بدنها، وارتخاء بكل عضلاتها، وثقل ضاغط برأسها وجفنيها، وتموجات رجع الموسيقى الصاخبة يأبى أن يفارق أذنيها. انتصبت واقفة في قميص حريري خفيف مناسب لقيظ أغسطس، فبدت فارعة الطول متناسقة الأعضاء ذات جسد غض، لازالت تمتلك مسحة من الجمال برغم من وجود غضون أسفل العينين تتلاشى تدريجيا كلما توغلت منحدرة نحو الوجنتين، قسمات توحي بأنها في متوسط العقد الخامس من عمرها أو تزيد عليه قليلا. كانت تعرف ما يتبعها هذا اليوم السبت، من إعداد حاجيات الزوج ومتطلباته، وإعادة ترتيب البيت، وتوظيب حقيبة الشغل، والتأكد من وجود كل\" الإكسسوارات\" الضرورية بها، كل هذا في وقت قياسي لا يتعدى الساعتين. غادرت حجرة نومها الوحيدة بالمنزل لتجد زوجها في مكانه المعتاد بالبيت ممدودا على متربته الأثيرة يغوط في نومه تاركا قناة الجزيرة على التلفزة ترسل سيلا من الأخبار المقززة للأبدان في صوت خافت لا يكاد يسمع فبالأحرى إثارة الضجيج. وهذه مسألة محسومة لصالحها، لم تعد قابلة للنقاش، وهو من جهته قد صار مقتنعا بأنه قطع أشواطا طويلة في سلم التنازلات، فالمرء حينما يفقد القدرة على توفير لقمة عيشه، وتلبية أبسط متطلبات الحياة يصبح فاقدا لإرادته، سهل الانقياد، يسمع يرى يتخيل ما لا يراه، ثم يقنع نفسه في نهاية المطاف، أن كل شيء على أحسن ما يرام. آمنا معا بهذه الحقيقة، وبات بينهما اتفاق ضمني بالا يتكلم. هذه مقابل تلك، مقايضة متكافئة خلقت نوعا من التوازن في زمن انقلبت فيه كل الموازن، واختلت به كل القيم والأعراف. أما هي فلم تعد تسمع ذلك الصوت الخشن المعتز برجولته الآمر الناهي، ولن تقبل أن تبقى تلك المرأة الضعيفة المتوجسة من ظل هذا الرجل الأرعن، والمتأهبة دائما لتلبية طلباته، والاستجابة لرغباته سواء منها المعلنة أو المضمرة. صلت الظهر الفريضة الوحيدة التي تؤديها في وقتها في مثل هذه الأيام، ارتدت جلبابها، أكملت لف رأسها ثم وقفت أمام زوجها لتوقظه، فهي حينما عادت قبيل الفجر وجدته نائما. وهاهو الآن يغط في نوه، إن لم تتحدث إليه اللحظة فلن تراه إلا في الصباح الموالي، كان عليها أن تذكره بأن كل شيء جاهز بالمطبخ: غذاءه، عشاءه، وقفت أمامه والحقيبة في يديها، نادته بصوت خافت: ـ آسي سلام ! آسي سلام! لم تسمع منه جوابا، فقد فاجأها رنين الجرس المتواصل الملحاح، فتحت على عجل، لعنت حظها، إذ وجدت كنتها أو بالأحرى زوجة ربيبها ترسل، من دون مقدمة، سيلا من الشكوى الممزوجة بندب حظها ولعن نصيبها، دون أن تستثني سب زوجها الموسوم في نظرها بكل أنواع النواقص. مشهد مسرحي حفظته ربيعة وسئمته لتكراره المتواصل. قالت لها في برودة لا تخلو من غضب: ـ ماذا تريدين بعد هذا الموال؟ ـ تعرفين أنك كنت السبب في زواجي من المختار، ولولا الأولاد لتركته وعدت إلى أهلي. هذا أهون من العيش في كنف زوج ميت الحس عديم الضمير، يبعثر مدخوله الهزيل في معاقرة الخمر وتعاطى الحشيش… اليوم قلت له: ليس لدينا ما نأكله. رد علي بوقاحة: كلي بعضك! ولما قلت له: حرام عليك هذا لا يطاق! ضربني وترك البيت! رمتها بنظرة لا تخلو من احتقار وريبة: ـ أنا تعبت من هذا الهراء، كوني امرأة، وتدبري أمرك كما تفعل كل النساء. كانت قد ناولتها خمسين درهما قبل أن تثير فضول الجيران المتلهفين لاقتناص النقائص. أخذتها المرأة، ابتسمت شاكرة، مسحت دموعها، ثم انقلبت طفرة واحدة من المرأة الغضوب الخائضة للمعركة إلى المرأة الودود الوديعة المسالمة! استأذنت في زيارة حماها والاطمئنان عليه. لكن ربيعة صدتها بيدها، وهي تصفق الباب وراءها حاسمة الموقف: ـ إنه نائم وأنا، كما ترين؛ ذاهبة، ورائي شغل.. ارجعي في وقت آخر، ومن الأفضل أن تحضري معك الأولاد، فقد اشتقنا لهم! *** قطعت ربيعة زنقة \" رأس الرخامة\"، انحرفت نحو زنقة \"الوطية\" تنوء بحمل حقيبتها الجلدية، بباب التوت امتطت سيارة أجرة. أمرت سائقه بالتوجه إلى قصر الأفراح شرق المدينة. في الطريق لم تستطع التخلص من الآثار التي تركه لقاؤها كنتها، كانت تعلم أن المرأة مظلومة، وهي ساهمت بحسن ظنها في توريطها في زيجة كانت تعلم أن نسبة نجاحه ضئيلة، فالمختار ربيـبها لم يكن في أي وقت من الأوقات صالحا ليصير زوجا قادرا على تحمل أعباء الحياة والصمود أمام تغيرات الزمن، مارس مهنا شتى ولم تستهويه أية مهنة؛ تقاذفته حرف عدة ولم يستأنس بها ولم تستأنس به، حتى انتهى به الأمر نادلا بإحدى المقاهي الشعبية بحي \"الباريو\". حينما زوجته كان غرضها الوحيد التخلص من مشاكله، ومن متطلباته التي لا تنتهي، سيما حينما أجبر أبوه على البطالة بسبب إفلاس معمل النسيج حيث كان يعمل. ولعل هذا الحدث هو الذي عجل بتدهور صحته، وتراجعها بشكل فضيع، انتهى به إلى ملازمة البيت، وانقطاعه عن العالم الخارجي. ولولا جرأتها، وإصرارها على تحمل المسؤولية، إصرار دفعته إليه دفعا، لما وجدت الأسرة ما تسد بها رمقها، وتسدد به قيمة كراء البيت الرطب المتواضع الذي يأويها، ويحميها من التشرد. كانت في تلك الفترة ترافق خالتها \"الحاجة السعدية\" لمساعدتها في تجهز العرائس، ولما تمكنت من الإطلاع على أسرار المهنة اقتنت لنفسها بعض\" الإكسسوارات\" اللازمة ومضت تشق طرقها في خضم سوق يتطلب أكثر من مهارة، وأكثر من أسلوب ووسيلة، ويفرض على الخائضات في غماره التسلح بشيم الصبر والتغاضي والمحاباة وتوزيع المجاملات المجانية، ويستوجب عليهن قبول أكثر من تنازل، وبأساليب قد لا تخطر على البال. كان المختار ولازال ولدها الذي لم تنجبه، استعاضت به وأخته \"حنان\" عن جفاء الدهر، وسوء النصيب، حينما أيقنت أنها لن تستطيع الإنجاب، عاقر كما يشار إليها لمزا أو تصريحا، وربما عزاءها الوحيد كون زوجها لم يذكرها يوما ما بهذه الحقيقة، مكتفيا بالولد والبنت من زوجته الأولى، ولعل الأمر مناسبا لطبعه النافر من الالتزامات العائلية فهو لم يعتن يوما بالمختار وحنان كما هو حري بأب مسؤول، ولم يعبأ بهما وبمستقبلهما الدراسي، تاركا الأمر كله لها هي تتصرف فيه بما تمليه عليها عواطفها وتصورها للتربية. كان الولد والبنت جزءا من مسؤوليتها منذ زواجها بوالدهما، كان المختار في الخامسة من عمره، بينما حنان لم تتجاوز الثالثة، لذلك أحبتهما حبا لا يعطي انطباعا بأنهما ربيباها، وربما ساهمت، دون قصد في إفساد تنشئتهما، بتدليلهما، وربما عاشت من خلالهما طفولتها المهدورة ببيت أهلها، وبزواجها المبكر. ولعل عزاءها الوحيد من جراء معاناة سنوات التربية والسهر على الولد والبنت اعتراف\" حنان\" بالجميل ومعاملتها كأم جديرة بالتقدير لتضحياتها الجسام. خصوصا لما تزوجت في وقت مبكر، واستقرت بالدار البيضاء حيث يعمل زوجها. *** عند باب القصر اعتراها شعور غامض بالقلق دفعها للتفكير بالعودة إلى البيت. لكن العريس استقبلها هاشا باشا مستبشرا لوصولها في الوقت المناسب، لينتشلها من عالم ويزج بها في عالم آخر.. فنسيت ما كانت بصدده. أخبرها انه أعفي من الذهاب إلى منزلها لإحضارها بنفسه، فأم العروس حذرته من مغبة تأخرها، ثم قال لها هامسا: ـ أنت سيدة الفرح، من دونك لاشيء يستقيم! ابتسمت شاكرة ممتنة متذكرة ما صدر عنه يوم أمس ليلة \" الظهور\"، حينما أصر على إيصالها إلى بيتها بسيارته، فانتهز فرصة انفرادهما ليهز أنوثتها البائرة، ويوقظ مشاعرها الفاترة بكلماته الرقيقة التي لا تخلو من غزل مبطن، كادت أن تنسيها أنه العريس محط الأنظار، هي نفسها تسهر على تجهيز العروس وجعلها في أبهي حلة ليقتطفها هو دون سواه! حاولت أن تقنع نفسها أن ما صدر منه لا يعدو أن يكون مجاملة وإطراء، الغاية منه تحفيزها على أداء مهمتها بهمة عالية، ولكن وبالرغم من كونه في عمر ابنها أشعرها كلامه بدفء ما كانت لتشعر به لولا إحساسه بها كامرأة ناضجة، هذا ما استقر لديها حينما هرعت إليه مفزوعة مضطربة لما فاجأهما بمنعطف\" راس الرخامة\" سكير يترنح، يتطاير الشر من عينه، كان قد طوقها بيده، وبث في كيانها شعورا بالأمان والطمأنينة، ومنحها إحساسا لذيذا متواصلا، لم يسرقه منها إلا وجود جسد زوجها الفاتر الهامد الممدود وسط البيت، والذي يقع في منزلة بين الحياة والموت، ويحولها إلى الزوجة الموقوفة عن ممارسة وظيفتها رغما عنها! قطعت بهو القصر لاحظت الاستعدادات الجارية لإقامة حفل الزفاف، صعدت إلى الطبق الأعلى دقت غرفت العروس ثم دلفت لتجدها وحيدة تداعب أناملها الرقيقة المخضبة بنقوش الحناء، أدركت أن السيدات والأوانس قريبات العريسين لم يقبلن بعد فهن منشغلات لا محالة، بالتجميل وبتحضير حلل الفرح. تبادلتا التحية، وانهمكتا في ثرثرة متواصلة، انصبت بالخصوص حول الليلة السابقة التي كانت مرهقة بالنسبة للعروس، حيث اشتكت من كثرة تغيير الأزياء، وثقل الجواهر وشدة الصهد: ـ كل العرائس تشتكين من ذلك يا ابنتي، ومع ذلك يرفضن التنازل عن أي زي، يصرن على ارتداء كل الحلل. ـ إنها ليلة العمر، أللا ربيعة، من حق كل عروس أن تحتفل بها كما يحلو لها ! ـ أجل، إنها ليلة العمر كما قلت، أما أنت فقد كنت بالأمس مميزة تختطفين الأنظار، قلما أصادف عروسا مثلك! كانت تعرف أنها تردد هذا الكلام ألف مرة وزيادة. ولكن هذا من لوازم الصنعة وأسرار المهنة.. ـ أية عروس لا تحب الإطراء ؟ فكرت متسائلة! ـ قولي أللا ربيعة، كيف كنت وأنت عروس! جميلة أليس كذلك؟ تطلعت إليها في صمت، ثم غضت بصرها بسرعة كأنها تداري وقع المفاجأة والارتباك، ثم قالت بعد تنهيدة طويلة: ـ انظري إلي فقد تستطيعين رؤيتي وأنا عروس! ـ لا بد وأنك كنت فاتنة، هذا ما تقوله قسماتك الجميلة.. وَخَّ كَيْمْشِي الزين كتبقى حروفه! علقت العروس بنبرة صادقة وعيناها لا تبارحان وجه ربيعة. ـ الجمال جمال الروح يا بنتي، ستفهمين هذا بعد فوات شهر العسل، ومواجهة مستجدات الحياة ومستلزماته، المهم أن تجد المرأة الرجل الذي يقدرها ويحترم مسؤولياته! قالتها وانكبت على حقيبتها تضع محتوياتها على طاولة أمامها، كانت تفعل ذلك بتلقائية وترتيب أملته عليها العادة والتكرار، ولكنها لم تقو على صد أفكارها وإخفاء ذكرياتها، فقد فجر كلام العروس بداخلها بركانا من المشاعر الدفينة سعت طويلا لقبرها وإخفائها حتى على نفسها. فكم عروس هيأت لكنها حرمت أن تكون عروسا، وكم زغـرودة أطلقت بيد أنها لم تصادف من يمنحها نصف زغرودة ! فقد سيقت إلى بيت زوجها في موكب باهت هو أقرب إلى موكب جنازة، حينما أجبرت على الزواج من أرمل عمره يضاعف عمرها. كان عليها أن تقبل صاغرة مستسلمة لإرادة والديها اللذين أثقل كاهلهما الفقر وكثرة الأولاد. حملها التفكير رغما عنها إلى عالم حاولت جاهدة طيه ونسيانه، وإذا بالذكريات الفجة السمجة المرة تأبى إلا أن تنغص عليها لحظتها، بل لحظات هذه العروس الماثلة أمامها تنتظر لمسات من أناملها لتجعلها فاكهة طازجة مستساغة، تثير إعجاب الناظرين إليها من النسوة قبل الرجال، فبالأحرى عريسها! كانت تعرف أنها قادرة على صنع الجمال، وتحويل الذمامة إلى نضارة، وصياغة الفرح كما يُصاغ التبر إلى حلية نفيسة، تزرعه في نفوس التواقين إليه. ولكنه فرح ممزوج بعصارة من مهجتها التي تقطر معاناة ومكابدة، صحيح أنها تصادف تقديرا واحتراما، وأحيانا امتنانا واعترافا بفضلها، لكن بالمقابل تواجه صلف ونزق الكثير من الرجال الذين يحملون مظاهر مزيفة لا علاقة لها بجوهرهم العفن أجلافا مفعمين بالشبقية والكبت الغائر خاصة بعض أولئك المنحدرين من قمم الجبال، أو المتسللين من أوديتها المدججين بالأموال غير النظيفة. فكم من عريس ـ وهو على عتبة دنيا جديدة ـ التفت إليها مستبيحا شرفها مستسهلا لحصانتها، متطاولا على عفتها فقط لأنها \"نكافة\" الجسر الذي يعبر إلى الليلة الحمراء، ليلة العمر، وإن كان العمر لا يختزل في ليلة واحدة مهما تداخلت ألوانها واختلطت أطيافها وامتزجت روائحها المثيرة للشهوات والزاكمة للأنوف أيضا. وكم من عابث باحث عن اللذة سولت له نفسه أن يجعل منها مطية يصل من خلالها إلى امرأة تحصنت منه أو استعصت عليه! حينما أفاقت من هواجسها، أدركت أن العروس قد استسلمت لنوم عميق متواصل‘ على وضعها، لا هي بالجالسة ولا هي بالمستلقية، همست: ـ هذا أفضل، الليلة لن يعرف أحدنا النوم! عند الغروب كان كل شيء معدا على أحسن ما يرام، مرتبا حسب البرنامج المعتاد، برنامج يتكرر كل ليلة مع اختلافات طفيفة تأتي حسب ذوق أصحاب الفرح أو مستواهم المادي أو انتمائهم الاجتماعي والثقافي، فليالي الزفاف مناسبة لاستعراض كل أصناف الصغائر المادية والمظاهر البراقة التي يفترض أنها تمنح أصحابها منزلة خاصة وحظوة اجتماعية معينة.. ولكنها في عمقها لعبة فارغة، تتسلى بها النسوة ويؤدي قيمتها في الغالب الرجال المغلوبين على أمرهم.. تنتهي حيث تبدأ، لكنها تبدد ما رصد لها من مال، وتبيد ما أعد من أجلها من طاقات وجهود.. لكن أليس هذا من فضل الله؟ تساءلت.. ثم ابتسمت، لتجد الجواب: أيْ نعم! فهي لعبة لا تخلو من فوائد لأمثالها من طابور المسترزقين من وراء طبول الأعراس ومزامير الأفراح، سواء كانوا خياطين وخياطات طباخين وطباخات، مطربين ومطربات، ودقاقين وحضارات ، ومن هم في حكم أهل الفن والنغم والقائمة طويلة تنتهي بمالكي القصور ودور الأفراح وممولي الحفلات ! أليس من الأفضل أن تكون \"نكافة\" تصنع المسرات وتفرق البهجة، بدل أن تكون\" نواحة\" تنتحب للأحزان، وتملأ المياتيم والأقراح عويلا وبكاء؟ ثم هي نفسها حينما تفتر وتيرة العمل أيام الشتاء ألا تجد نفسها أقرب إلى الإفلاس، بل على وشك الضياع والبؤس؛ لولا ما توفره أيام الصيف الزاهرة، تماما كنحلة شغيلة تحسن استغلال موسم العطاء؟  حينما يشتد الزحام، وتندفع الأبدان الغضة وسواها، ويمتزج أريج العطور بالأنفاس الزافرة، وروائح المأكولات الشهية بالعرق الآدمي، وتصدح الألحان منخفضة مرتفعة، متداخلة منسجمة، تتراقص معها الأجسام الطليقة وتحترق بمفعولها الأرواح الظامئة، تجد ربيعة نفسها ملزمة برفع وتيرة نشاطها، ممعنة في إظهار براعتها واستعراض سيادتها للموقف بين استبدال الحلل، وإبراز العروس وإخفاءها، إلى أن يحل وقت السحر أو تهاليل تبشير الفجر، وتردد الجوقة أو شبهها نغمتها الأليفة:\"دق المزاهر..\". وترتفع الزغاريد وتهل العروس في حلتها البيضاء البهية المترامية الأذيال، متأبطة ذراع العريس لتؤكد انتصارها الأبدي بأنها أميرة الحفل وصاحبة اللحظة. في كل هذا أو ذاك وبين هذه وتلك تتقدم ربيعة وتتأخر، تنتقل يمينا ويسارا، تطمئن على ما صنعت، حاثة العريسين على الابتسام والسير في تؤدة وزهو، وعند عتبة القصر تشرف على تبويئ العروسين مقعديهما بالسيارة المخصصة لنقلاهما إلى حيث.. ينهيان ليلتهما و يقتطعان ما تيسر من نهارهما القادم نائمين نوما لا كالنوم.. أما هي فمن المؤكد أن المقعد المجاور للسائق مقعدها لن تتنازل عليه لأحد سواها. بل لن يجرأ أحد على امتطاءه دونها ما دامت هناك طقوس ومراسم أخرى تنتظرها، جعلتها الأعراف من مهامها المتعددة! *** كانت ربيعة كعادتها، مجبرة على قطع المساقة الفاصلة بين باب التوت حيث حطتها سيارة الأجرة وبيتها بزنقة رأس الرخامة وحيدة تتعثر بين أكياس الازبال، ورذاذ الشرقي المخيم على المدينة، والذي يجعل بلاطاتها مبتلة تعيق المسير. عند الباب الخلفية للزاوية المحمدية ألفت بعض المصلين يغادرون المسجد بعد أداء صلاة الصبح، فبثوا في نفسها بعض السكينة المفتقدة في مثل هذا المكان وفي مثل هذا الوقت. كانت تحمل بالإضافة إلى حقيبتها كيسا بلاستكيا مملوءا بالمأكولات والحلويات، تصر على إحضار مثله كل رحلة إياب، لينال زوجها نصيبه من الأفراح، ويكون ذلك عاملا اقتصاديا مساعدا لها يخفف من عبء المصارف اليومية المضنية. هذا الصباح وبالرغم من رضائها على مردودها المادي فإن قلقا غامضا جعلها أسيرة هواجس لازمتها منذ حضور كنتها بزوال أمس، ورغم اجتيازها للأزقة الموحشة دون ان يصادفها سكير معربد أو متشرد تائه كما تصادف في الغالب، فإن إحساسها بالضجر لم ببارحها. عندما فتحت الباب فاجأتها روائح كريهة لم تستطع تحديد كنهها، بوسط البيت كانت التلفزة على حالها وقناة الجزيرة ترسل برامجها، كان صوت المذيعة يواصل: \"سقط صباح اليوم بمدرسة ابتدائية في وسط بغداد ما يزيد عن(..) قتيل وقتيلة على اثر انفجار.. في الركن الأخر من البيت كان زوجها يواصل نومه.. عنِّ لها خاطر خاطف أخذها من قلق غامض إلى ذعر صاعق.نادت: ـ السي سلام.. السي سلام ! اقتربت أكثر، مدت يدها في وجل أشد إلى مضخة دواء الربو الواقعة أرضا، تضغط عليها في عصبية هستيرية، فلم تخرج شيئا، قذفتها ثم أزاحت الغطاء عن رأس زوجها، لترى ما لم تصدقه أول وهلة: عينين زائغتين، وغشاوة الموت أرسلت على الوجه قناعا أصفر بل أبيض، ارتمت عليه صارت تحركه بقوة، أيقنت انه فارق الحياة، رجعت خطوات مضطربة متقهقرة إلى الخلف، غمرتها موجة ضباب جعلت جثة زوجها المسجى أمامها تتراقص، مادت بها الأرض، وتهاوت خائرة.. مرت عليها لحظات لم تستطع تحديد مدتها، حملها تفكيرها من عالم إلى آخر، وانتهى بها عند حقيقة وحيدة وأكيدة وأيضا سوداء: أنها وبسبب إهمالها لنسيانها اقتناء مضخة دواء جديدة فأصبحت أرملة! أفزعها رنين الهاتف الموجود إلى جوار زوجها، هرعت إليه عساه يحمل إليها من يقاسمها خطبها في هذا الصباح القاتم. كانت ربيبتها \" حنان \" على الخط تتساءل في صوت لحوح: ـ ألو؟ أين أنتم ؟ لماذا لا تجيبون منذ البارحة وأنا اتصل بكم ! ألو؟ من معي.. بابا.. ماما.. ماما! ضاع صوت ربيعة في أعماقها فلم تجد القدرة على الرد، بل ماذا ستقول لها لو تكلمت؟ أتقول لها: إن أباه مات بسبب إهمالها هي.. وأنها غادرت البيت بالأمس وهو ميت، وربما مات قبل ذلك فهي نسيت متى تحدثت إليه آخر مرة.. لكن ألم تمت هي ألف مرة عندما أرغمت على مبارحة البيت ليلا لتعمل \" نكافة\" ؟ كانت مذيعة التلفزة قد عرجت على مستنقعات \" لبنان \" لتغترف منها كؤوسا مرة، وصوت \"حنان \" مازال يردد من جهته: ماما.. بابا.. ألو.. ألو!

انتهت

تطوان في يونيو 2005

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : باب التوت | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر