ابتسامة في اليد/ سعيد الشقيري

كتبهاالفدان: جريدة الأخبار الثقافية التطاونية ، في 11 أكتوبر 2006 الساعة: 06:00 ص

كنت قد أصبحت منحرفا رسميا. أهيم في قاع الفوضى بكل جرائمها وفضائحها التي جعلتني مشهورا في المحاكم الجنائية والسجون. متعودا على تلقي اللعنات ونظرات القرف والاحتقار والاشمئزاز من كل الناس. حتى أمي أصبحت تستقبلني باللعنة. أقيم معها باللعنة. وتودعني باللعنة. تدعو علي في كل صلواتها، جهارا، بكل ما في القرآن من توعد للكافرين. وتبتهل إلى الله أن يمحقني بموتة من عنده. أو فليسلط علي الطاعون أو السرطان أو الشلل. أو أن يجليني إلى حيث لا تراني عيناها، ولا يصلها عني خبر.

ذلك بما جلبته لها من المتاعب ومن تخييب لآمالها، ومن العار الذي لطخ وجهها وسمعتها بين أهلها وجيرانها. حتى شاخت بسرعة مذهلة وأصبحت قبيحة الوجه ومعوجة الجسم كمنجل صدئ. كل ذلك كان يزيد من تلذذي بتعذيبها. بل من الرغبة في قتلها أحيانا.

فكم من مرة كنت أعود إلى البيت بعد الفجر متعتعا بالسكر، ملوثا بالدم أو بأي شيء آخر، والغضب ما أزال أنفخه فيخرج من أنفي كفحيح أفعى مستنفرة. ألمح، خلل الباب الموارب لحجرتها، جسمها العجوز الصغير المنكمش فوق الفراش. أرى تنفسها الرتيب الهادئ فيجن جنون غضبي. تمتد يدي إلى مديتي. أرتجف من الرغبة في جعل دمائها القليلة تسح تحت قدمي وتلطخ يدي وترتش في وجهي. ومرة، حملت وسادة هممت بخنقها بها فاستيقظت. أو كانت مستيقظة أصلا. أخذت تلعنني بهدوء وثبات كأنها تصلي التراويح. أكيد أنها كانت تعرف رغبتي في قتلها. لذلك كانت حينما تنام تترك أذنها في الحراسة، حتى إذا ما رجعتُ إلى البيت انتبهت وتأهبت لحراسة حياتها. كان يشتد غضبها علي وكراهيتها لي، فتلعن اليوم الذي حبلت فيه بي. كانت دائما تتهمني ظلما وعدوانا بأنني قاتل أبي، وتحرك ندمي على أنني لم أكن قاتله فعلا.

كان أبي قد مات ميتة عادية. نام ذات ليلة ولما استيقظ كان قد مات. وهكذا انتهت حياته. لم يقل لنا أبدا رأيه في نهاية حياته. ربما لأن كل لحظة منها كانت شبيهة بالنهاية. أو لأن إبداء رأيه كان سيكون زيادة عن اللزوم. كنت الوحيد الذي لم أحضر جنازته. كان رجلا فقيرا طيبا. ما دعى لحضور جنازته كل أفراد العائلة القريبين منهم والبعيدين. وكل سكان الحي. أمطروه كلهم بدعوات الرحمة والغفران. وأمطروني كلهم، غيبة، باللعنات. بينما كنت أنا تائها في الغابة أهشم في صلابة أشجارها رأسي، حقدا على نفسي التي لم أستطع منعها من البكاء عليه. لم يهدأ لي بال إلى أن تسللت تحت جنح الليل إلى المقابر. انهلت على وجه حارسها باللكمات حتى دلني على قبر أبي. فجلست قربه كالبهيمة. لا أتذكر إن كنت قد وعدته وقتها بقطع نسله، وتعويضه بنسل من طين خزيي. لكنني لم أزل أعمل ما في وسعي دائما للوفاء بذلك الوعد. ولم أزل قابعا عند القبر حتى همد تهدج أنفاسي. جف دمعي. ويبس الدم على وجهي، وتخثر به شعري. فعدت إلى البيت مع الفجر لأقارع أمي العجوز القبيحة بالشتائم والسباب واللعنات. ولأزيدها إنهاكا وتحسرا.

كانت لعنات أمي ودعواتها علي لا تزيدني إلا طغيانا، وامتلاء بالكره وبالرغبة العنيفة في زرع الرعب في الناس، والتنكيل بهم بأبشع الطرق التي عادة ما أتذوق لذتها بلحم أسناني، مثلما يحصل لي مع السفرجل النيئ.

كنت تطبعت على الاستيقاظ بعد منتصف النهار. أنهض غالبا من نوم سيئ أستيقظ خلاله عدة مرات رغم امتلاء رأسي بالخمر وبكميات كبيرة من الحشيش. أو بسبب ذلك. كانت تجيئني في منامي أحلام فظيعة وكوابيس. أهب في الفراش مبهور الأنفاس، مشرع العينين، والتعب يهد أضلعي وأعصابي. أصب قنينة ماء في جوفي لأطفئ الحرائق المشتعلة بداخلي. أهم بالعودة إلى النوم. تصلني أصوات الأطفال يلعبون الكرة في الحي ويتصايحون. أصيح فيهم. وأسبهم. وأسب دين آبائهم وأمهاتهم. أستعمل في ذلك الكلمات الأكثر فحشا ومروقا في القاموس. وكثيرا ما كنت أنزل إليهم حافيا عاريا فيطيرهم الفزع هربا من وجهي. وإذا لم يسعفهم الوقت لنجدة كرتهم، أمزقها بمديتي. ثم أعود إلى فراشي الملطخ بكل أنواع البقع والمحاط بأعقاب السجائر والقناني الفارغة وغيرها من الأزبال، لمراودة النوم السيئ على مضاجعتي.

في مرة، استيقظت من النوم مع حلول المساء. لم أغادر البيت إلا بعد شوط ساخن من التلاسن مع أمي، أسمعتها خلاله معزوفة راعدة من الشتائم والتهديد والوعيد حتى سقطتْ على الأرض من الاشمئزاز والضجر. كنت أتمنى أن تسقط من الموت. خرجت حاملا انتصار عقوقي الناقص، ومزاجي العكر. كان شعري المشعث مبللا بالماء. وعيناي منتفختان، ككل وجهي، ومحمرتان. وملابسي التي تشبه ملابس قرصان تتهدل على جسمي مع كل نقلة لخطواتي العصبية. كنت صورة فحمية لوحش خرافي مخيف.

عند نهاية الدرب، انعطفت إلى اليسار في اتجاه ساحة السوق حيث أتناول قهوتي بمحلبة هناك، وأدخن سجائر الحشيش الأولى. في المنعطف اصطدمتْ بي فتاة مسرعة برأسها المطأطئ. تلبس جلبابا في لون أوراق الموز ولمعانها الخافت. ينسدل على كتفيها ببساطة شعر كستنائي أصيل. أردت أن أصفعها بظهر كفي حتى تبول تحتها. لكنها مسحت وجهي بابتسامة أليفة. طلبت مني المعذرة. وأعتقد أنني سمعتها تهمس لي: "مساء الخير" وتذكر اسمي. ثم انسلت قرب كتفي دون أن أصفعها.

كان غضبي المتطرف في ذلك اليوم يلح على نيتي في اقتراف جريمة منكرة تستطيع أن تيسر لي العودة إلى السجن. كنت اشتقت إليه كثيرا. مرت علي ثلاث سنوات منذ تركته لآخر مرة. بعدها لم أتمتع سوى بزيارات خفيفة إلى مخفر الشرطة، امتدت بعضها إلى خمسة أيام. لكنهم لا يلبثون أن يطلقوا سراحي بعد بعض الضرب والتعليق لا يحس بهما جلدي الميت. خصوصا أنهم لم يعودا يستعملون الشيفون والصعقات الكهربائية. أصبحوا لا يجودون بهما إلا على الجرمين الخطيرين من أصحاب التدخلات. أما أنا فسرعان ما يبدأ أبناء الكلاب في ممازحتي وتسريب السجائر لي. لكنني في هذه المرة كنت أنوي اقتراف شيء مهول حقا. شيء قادر على إقناعهم بأحقيتي في اللطم الشديد وفي الشيفون والتعليق والقرعة. ويزفوني بعد ذلك إلى السجن كتلة محطمة. بريئة من كل قوة أو كرامة أو شرف. هذه كانت نيتي وأمنيتي وحلمي في ذلك اليوم.

ولما شملني فضاء الغابة حيث يصلني صخب الماء المنهمر من فتحات السد، كنت أموت من الرغبة في أن أكون أشرس حيوان وأخبثه يطلع عليه قمر تلك الليلة. كان عجزي عن ذلك يؤجج الغضب في صدري. كنت عاجزا عن اختيار الجريمة التي علي أن أرتكبها لأحقق أمنيتي في العودة الموفقة إلى السجن. كان السأم قد ملأني من التربص بأولئك الرجال الأنيقين الآمنين المتحذلقين، لإرهابهم وإخلاء محافظهم وشدهم من ربطات العنق التي عادة ما يختارونها بعناية فائقة، ورسم خطوط فنية بحد مديتي على خدودهم، أو تدنيس مؤخراتهم المخنثة أمام أعين عشيقاتهم المسلوبات المرتجفات بالخوف والبكاء. كما مللت من اعتراض سبيل الذاهبين إلى كدحهم في الصباح الباكر. جيوب هؤلاء كانت دائما خاوية ومنهوبة كالخزينة العامة. ثم إنهم رغم تعرضهم لشتى أنواع غضبي فإنهم كانوا يعاودون الخروج في نفس الأوقات والمرور بنفس الطريق. حتى ألفتهم أعصابي وأصبحت رؤيتهم مألوفة في عيني كرؤيتها للكلاب الضالة حولي. أما مداهمة المتاجر وتهشيم واجهاتها فقد أصبحت تبدو لي نشاطا مدنيا لا تستحق حتى التفكير فيها.

يا ربي. يا ربي. يا ربي. أماتت مخيلتي تماما؟ أما عاد في إمكانها أن تجود علي ولو بواحدة من بنات أفكارها لأبدع دخولا محترما إلى ملكوت السجن، وللتخلص من هذه الدنيا المسطحة المليئة بالعجز والنفاق والخوف والطاعة العمياء؟ هل صرت فاشلا إلى هذا الحد؟ هل…

مهلا. مهلا. هل قلت "واحدة من البنات"؟ طبعا. شكرا. شكرا أيها الله العظيم. يا مجيب الدعوات. يا ملهم الجبابرة العظماء. واحدة من البنات. تذكرت ابتسامتها، وابتسمت للشر المستلقي على قفاه في روحي وفي جسدي ونصل مديتي.

تذكرت تينك العينين تمرران ابتسامتهما العذبة على وجهي. تذكرت ذلك الجسد الذي ارتطم بي صلبا ورطبا كلفتة مسلوقة على نار هادئة. وتساءلت، كأنني أضع الفرضية الجمالية التي سأبدع في إثبات صحتها: "هل يمكن أن يموت ذلك الوجه وهو محتفظ بتلك الابتسامة؟" سيموت محتفظا بها. جزمت. علي فقط أن أرسم كيفية جميلة لإنجاز هذا الإبداع القياسي. كيفية تجعل النذالة والقسوة نفسيهما تتسابقان على حمل اسمي.

لكن فكري كلما انكب على التخطيط للعملية، اجتذبته ذاكرتي المنهمكة في تهجي حروف ذلك الوجه، وتلك النظرة، وصوت تلك الهمسة. ولم أصدق. أيعقل هذا؟ أتكون هي؟ أيمكن في هذه المدة القصيرة أن تصير ذلك؟  كل ذلك؟ أن تصير امرأة تسرج خيول المغول في حقد شهوتي؟ لا يمكن. بل يمكن. لا يمكن. بل إنها بشرى. تلك الطفلة التي كنت ألاعبها قرب باب منزلها. أشتري لها الحلوى عند عودتي من المدرسة. ألاغيها فتناغيني. تموت من الضحك حين أدغدغها. يملأ لعابها وجهي. ولما بدأت تقوى على حمل محفظتها، صرت أشتري لها القصص الملونة. وصارت هي شديدة التعلق بالحكايات التي عودتها عليها. تظل ترقبني من النافذة إلى أن أعود من الجامعة. فتخرج جريا توا إلى عنقي. تطوقه بذراعيها الصغيرتين. تمطر وجهي بقبلها الحمقاء. تملأ مسامعي بضحكاتها الزرقاء الشفافة. تجرني من يدي لتدخلني إلى البيت. وحين أمتنع، تخرج خالتي يامنة، أمها، لتفرش لي طيبوبتها قبل أن تفرش فروة خروف على العتبة. أجلس عليها. وتجلس بشرى على ركبتي. وأشرع في سرد الحكايات عليها. كنت أحكي لها قصصا مليئة بمعاني الصدق والشهامة وحب الناس وفعل الخير.

تراها كانت تصدق.

لذلك كانت تلمع عيناها ببلل يغص به حلقها. لم تكن تداريه. ولم يكن يربك إنصاتها. وكانت تستوقفني بين حين وحين لتسألني، مثلا:

- "لماذا قتلوا الذئب المسكين؟"

كانت دائما تطرح علي أسئلة صعبة. فأراوغها، وأستأنف الحكي. وكثيرا ما كانت تغفو على كتفي. وحين أكتشف ذلك من تنفسها واسترخاء أطرافها، أفرقع بأصابعي، فتخرج أمها. تشير لي بحملها إلى فراشها. أودعها. فتودعني وهي تدعو لي بالصلاح. و.. لا شيء آخر بعد ذلك.

ينتصب جدار الفراغ في وجه ذاكرتي. لا تتذكر ذاكرتي أي شيء آخر. وكلما أجهدتها لتتقفى أثر بشرى الصبية، تقيأت علي صورا مبعثرة للوائح مبهمة، ورسائل، وطرقا موحشة، ومقاهي ركيكة، وتفاصيل عن السأم، وفتاة ترمي خاتما فضيا في وجهي، ويدي تسلم صندوق كتب وتدس نقودا في جيب سترتي الصفراء، وقطرات ماء قذر تنزل علي من السقف في يناير، وصراخ امرأة مفجوعا، وليالي، وقناني، وكرها، ومُدى، وركضا، ودماء، وغابة، وقضبانا.. ولا شيء آخر عن بشرى.

كنت مغلفا بصمت ذلك الإغراق في التدبر. وكان مر علي زمن طويل لم أجلس فيه يوما لأسترجع شريط حياتي. وكيف كنت، وماذا أصبحت، ولأية أسباب. كنت أكره القيام بذلك. أكره القيام بشرح نفسي لنفسي، وشرح نفسي لمحيطي، وشرح محيطي لنفسي. وها أنا ذا أقوم بذلك مستدرَجا بصورة بشرى. وهي تقف في مرحلة الصبا، عند عتبة، ولا تتقدم. وجاءتني أصوات من خلف الصخرة المنتصبة على يميني. استللت سلاحي. تسلقت الصخرة بخطوات نمر حكيم. كان حمودة هناك في الجهة السفلى من الصخرة. يفرد صفيحة من الكارتون، ويلقي على جانب منها بمعطفه البوليستر. وبجانبه امرأة، لم أتبين ملامحها، تلبس سروال جينز أزرق، وسترة برتقالية ما لبثت أن خلعتها وأخذت تدندن بأنغام أغنية ما، وتستخرج من كيس بلاستيكي قنينتين وثلاث ملفوفات، خمنت أن في اثنين منها أكلا، وفي الآخر فواكه جافة.

لم يحتج الأمر مني أي تفكير. هبطت بقدميّ على رأس حمودة. لطمت المرأة بظهر كفي قبل أن تكمل صرختها، فارتطمت بالصخرة. أرسلت لحمودة ركلتين قويتين في أضلاعه الخاوية جعلته يتدحرج على الأرض. ونهض بحجر في يده، قذفني به دونما تركيز فحدت عنه، وولى هاربا. تبعته بالمدية بين الأشجار أريد تمزيق لحمه. لكنه كان يركب على خوف سريع. فعدت إلى المرأة.

أردت أن أفهمها أن لا داعي للصراخ ما دام صخب الماء المتدفق من السد سيبتلعه عن آخره مهما علا. لكنني تركتها وشأنها. كان لزاما عليها أن تصرخ. أن تصرخ من الألم طبعا، وليس طلبا للنجدة. وذلك أمر لا يمكن الإقناع بعدم القيام به.

أرادت أن تفدي نفسها بالطاعة وبالإغراءات المسكّنة. سقتني. دللتني. تعرت، ورقصت لي. أدخلت حبات اللوز في فمي. واطمأنت أصابعها، فلم تعد ترتعد. قمت إلى ثقوبها. قلبتها على جميع الأوضاع. غصت في جميع اتجاهاتها. كان جسمها باردا جدا. ولم أعثر على نفسي. صفعتها. شددت شعرها. صرخت بكل قواي في أذنها. وهي لا ترتعد ولا تبكي، إلا بصمت. يئستُ من ثقوبها المنجزة. كنت في الغابة متعودا على فتح المسالك الجديدة بين أحراشها. ففتحت بمديتي ثقبا جديدا في أسفل ثديها الأيمن. لم أكترث بعوائها وأنا ألج الحرارة المتأججة في الثقب الجديد. كنت بعيدا كل البعد عن ذهني الذي كان يتساءل:

- "هل هذا ما كنت أفكر في فعله ببشرى؟".

دوى الطنين في رأسي بقوة. كاد يقتلني. وتدحرجت في اتجاه النهر، والسلاسل والعصي وأشياء حادة تتبعني وتصيب عظامي ولحمي. وارتميت في الماء.

فكرت في كل شيء حين كنت أقطع المسافة إلى قاع النهر: عاد حمودة برهطه. لم تقتلني ضربة الحجر القوية في رأسي. أخذت فقط تلون الماء أمام عيني، وتسددني نحو الموت. لكنني، لا محالة، سأصبح مقتولا إذا أخرجت رأسي من الماء. وإذا صبرت بضع ثواني تحت الماء، فسأتقاطع مع تيار صبيب السد القوي الذي سيجرفني. سيكون مستحيلا عليهم آنذاك أن يدركوني. والبقية تدبّر.

لا أتذكر كيف جرى كل ذلك. استيقظت في وقت لاحق من مساء لاحق. استغربت كيف طمرت نفسي بالكامل في الرمل قرب نباتات شائكة على ضفة النهر الأخرى. وكيف أتقنت الاختباء من تلك الأصوات التي كانت تبحث عن روحي، قبل أن أنام، أو يغمى علي.

سكون الحي هو الذي خبأ انتمائي إلى أهل الكهف. وكان عمري يراق مني مع كل خطوة أخطوها في الألم نحو البيت. كان حلقي يابسا. ونفسي مشتاقة إلى لعنات أمي. ربما كنت قريبا من الفجر آنذاك. فعطر عنبر الليل كان يضفي على الصمت عنصر القِدم. ومع أن البرد كان يجعلني أرتجف، إلا أن شيئا ما كان يدفع رئتي إلى الانفتاح الكلي للنسيم. وما كانت من وسيلة سوى الاستلقاء على ظهري. سقطت بالرغم مني. سمعت رأسي يتوسد شيئا يشبه عتبة. بدأ الدم ينفرش تحتي.

كان الوقت صباحا أم مساء أم ليلا، فالأمر عندي سيان. لأن ما فاجأني، هو رؤيتي – حين فتحت عيني – لخالتي يامنة وهي تستدير وتغادر الحجرة مغلقة الباب خلفها. وجدت نفسي ممددا بكل أوجاعي في سرير رخو كريه. كدت أتقيأ من رائحة العطر التي تعبق بها الحجرة. أردت أن أهرب. لكنني كنت منزوع السلط على كل جسدي. فلم يطعني منه أي عضو. وحدهما عيناي ظلتا وفيتان لي. فأخذت أرى بهما: خزانة كتب واقفة لصق جدار أمامي، مشجب بأربعة أذرع تحمل جلبابين ومعطفا وسترة نسائية، قصبة صيد كثيرة الحلقات مغمدة ومركونة قربها، صور كثيرة معلقة على الجدران. رأيت بينها صورة تلك الابتسامة التي.. وأغمضت عيني بسرعة لما انفتح الباب. سمعت حفيف خطوات على البساط تقترب مني. ويدا تحط على جبيني باردة ولزجة كالحلزون. اشمأززت لها، لكنني لم أشأ فتح عيني. ثم بفوطة مثلجة تعبق بماء الزهر تمسح وجهي وجبيني. طار صوابي، واضطربت أنفاسي. ولم أشأ فتح عيني. عادت الكف إلى الحط على جبهتي. لم تكن باردة ولا لزجة هذه المرة. شممت نفس الرائحة التي خلفها لي اصطدام ذلك المساء. عرفت أنها بشرى. وضعت كفها في باطن كفي المشلولة، وأخذت تمسدها.

باغتتني الرغبة في الانقضاض عليها وقطع أنفاسها. ارتجفت بشدة والحقد يتسرب إلى كفي. اشتهيت لو أضغط تلك الكف الساكنة الآن بكفي كعصفورة في عشها، حتى أسمع طقطقة عظامها. لم أنتبه إلى أنني شرعت في ضغطها فعلا، وإن بوهن، والسؤال يجول غاضبا في مخي:

-         "كيف أمكن لشيء أشبه ما يكون بمزهرية هشة أن يقترب من وحش مثلي؟".

 وتذكرت تلك الطيور الصغيرة التي تدخل في فم التمساح لكي تنظف أسنانه دون أي خوف من أداه. أرخيتُ كفها. وظلت هي تعصر كفي.

لم يلجمني من القفز من الفراش والهرب من ذلك البيت بعد اقتراف القتل، سوى أوصالي الملجمة. بشرى توسد رأسي بذراعها. تدخل ملاعق الحساء في فمي بيدها. وما من وسيلة لتحمل هذه الحقارة سوى الإذعان لكل ما تفعله. وسوى ابتلاع غضبي مع كل ابتلاع لحساء الدجاج الدافئ. والخلود إلى النوم بعد ذلك.

حلمت بأن عصابة جاءت تبحث عني في البيت أكثر من مرة. وأمي جاءت لزيارتي أكثر من مرة. وعجبت لنفسي في الحلم كيف لم أعض فم ذلك الصوت الناضج الأنوثة الذي ظل يروي لي قصصا وحكايات كنت قد محوتها تماما من ذاكرتي. قص علي كل حكايات ابن البلد: "الكنز العظيم" و "الأميرة الخرساء" و "بيت العجوز" و "ليلة مجيء المَهَرَة" وكل الحكايات التي كنت أقصها على بشرى حينما كانت ما تزال طفلة.

انتبهت من حلمي فوجدتها جالسة معي على حافة الفراش تحمل كتابا ملونا مفتوحا في يدها.

- "جرب أن تحاول النهوض إلى الحمام"، قالت بابتسامتها التي لم يكن يستفزني فيها أكثر من وثوقها من طاعتي.

- "لو كنت أستطيع النهوض لمحقتك"، قلت لها في نفسي.

لكن المغرورة قليلة الحياء لم تكن تستشيرني في أمور نفسي. نزعت عني الغطاء. جرتني من يدي كما كانت تفعل عندما كانت طفلة. رأيتها لابسة قميصا طويلا مبرمجا على جسمها اللدن. عبرت رأسي ألف طريقة لإخراج الصراخ المبلول من ذلك الجسد. حملتْ ذراعي ووضعَتها على كتفها. أحاطت ظهري بذراعها الأخرى. وسحبتني إلى الحمام. ضحكت أمها من حالي وهي تفتح لنا بابه وتفسح الطريق. أغلقتُ الباب خلفي، ووقفت أغالب أعصابي. وتسمرت نظرتي لما التفتّ إلى المرآة: كيف فقدت لحيتي؟ من قص شعري؟ من أين جاءني هذا القميص الأبيض المقيت؟ اعترتني رغبة جامحة في تهشيم تلك المرآة. ومكثت معتصما بالمرحاض إلى أن أخرجتني بشرى.

لا أعرف عدد الأيام التي قضيتها قبل أن أحس القدرة على المشي السوي على قدمي. وأسترجع بعض سلطي على بدني. لكن ما إن أحسست بذلك حتى قلت لبشرى ذات صباح:

-         "سأمشي".  

هزت رأسها نفيا، وخبث الابتسامة في نظرتها يقتلني. ماذا تحسب في نفسها هذه الفأرة الصغيرة لتعتقد في قدرتها على تقييد حريتي؟ نويت أن أدفعها عن طريقي، وإن قاومت أطحت بها. فحسبها مني أنها ظلت سالمة إلى الآن. لكنها نظرت إلي طويلا، ثم خرجت تجري. بعد قليل عادت ويداها خلف ظهرها. قالت:

-         "ستخرج. لكن عدني بأنك لن تذهب إلى أي من الأماكن التي تذهب إليها عادة".

 انفتح فمي. نطت الدهشة في عينيّ. "هل هذه البنت حمقاء؟ هل أعماها الغرور؟ هل تظن أن بإمكانها امتلاكي لمجرد كونها داوت جراحي؟". وعوض أن أحكم قبضتي على عنقها، وجدت نفسي منشغلا بملاحظة غياب الأماكن من ذاكرتي. ما عدا الغابة والمقهى وجنبات الطرق المظلمة، لم تكن ثمة أمكنة. فكرت في حجرتي. التفتّ لا إراديا إلى الفراش الرخو الذي حملني في تلك الأيام. ثم، وأنا أسحب بصري عنه، مر على قصبة الصيد المركونة قرب المشجب، فنطق لساني:

-         "سأمضي إلى البحر".

لاحظت الشيطانة رؤيتي لقصبة الصيد. أردت أن أتراجع عما قلته. تقدمت مني. أخرجت إحدى يديها من خلف ظهرها، وأمسكت يدي. وضعت فيها بيدها الأخرى علبة سجائر، وورقة نقدية من فئة خمسين درهما. ونظرت في عيني بابتسامة أخرى لم أرها في وجهها من قبل وهي تقول لي:

-         "خذ. هذه سجائر ستحتاج إليها. لن تشتري حشيشا. عدني بذلك. استقل سيارة أجرة من أقرب نقطة في الطريق الفوقي إلى البحر. اشتر شرابا مرطبا. ولا تتأخر كثيرا".   

كانت تقول ذلك وهي تدق على كفي المقبوضة بكفها المبسوطة، تماما كما كانت تفعل أمي، أيام كنت طفلا، حين تريد أن تثبِّت في ذاكرتي الأشياء التي سأجلبها لها من الدكان. بدّلت ابتسامتها تاركة كفي معلقة في الفضاء، وقفزت نحو قصبة الصيد. تناولتها، وتناولت كتابا من الخزانة، ومدتهما إلي قائلة: "وهذان لإيناسك هناك".

"ملعونة هذه الحياة" قلت في نفسي وأنا واقف أمامها مفقودا في الدهشة.

ودعتني أمها بالباب داعية لي بالصلاح. وانطلقت أقطع الزقاق. أتعثر في نظرات الناس. حتى الأطفال توقفوا عن لعبهم وراحوا يحدقون فيّ حتى كدت أسحقهم بقصبة الصيد التي تتراقص في يدي كمحفظة طفل متردد في الذهاب إلى المدرسة.

وفي الشاطئ أطلقت العنان لغضبي. هممت بتكسير القصبة وتمزيق الكتاب. اكتفيت برميهما. جريت. وصرخت، وصرخت، وشددت شعري، وحثثت الرمل على نفسي، ودخلت إلى الأمواج بملابسي، ولعنت بشرى وأمها وأمي. وقررت أن أغادر ذلك الشاطئ المقفر وأذهب إلى الغابة.

نزعت ملابسي. عصرتها. نشرتها على الأحجار. وجلست أنتظر أن تجف. جلست على الرمل. اتكأت على يديّ جاعلا إياهما خلف ظهري. ولمست أصابعي الكتاب. التفتّ، ودفعته بحنق، فانقلب على وجهه، وقرأت: "الشيخ والبحر". هل أرادت أن تفهمني أنني صرت عجوزا؟ ألذلك أرسلتني إلى هنا؟ وتذكرت أنني أنا الذي اخترت المجيء إلى البحر، فهدأت قليلا. واعتراني فضول في التعرف على ذلك الشيخ. قلت مع نفسي: "لماذا لم تأت بشرى معي؟" وقلت: "لا بد أن يكون هذا الشيخ كريها". بدأت أقرأ. وجدت القصة تروي ترهات عن البحارة، وعن ذلك الشيخ البحار الذي يرفض أن يتقاعد، ويريد أن يتحدى الشباب. وذلك الطفل الأحمق الذي يساعده في كل ما يريد. ودخلت مع الشيخ إلى البحر، وإن مرغما. أردت – فقط - أن أرى كيف سيخفق. وكيف سيغرق. رمينا الصنارة. ومكثنا نرتقب حظنا، وأنا أتابعه بطرف خفي.

شارفت الشمس على المغيب، فأخذت أقرأ بسرعة لكي لا يمنعني الظلام من إنهاء الصفحات الأخيرة. وبدرت مني التفاتة إلى القصبة المغروسة في الرمل. رأيتها ترقص بحدة. وتكاد تنقلع من مكانها. رميت الكتاب من يدي ونهضت مسرعا لأغيث القصبة. وجدت خيطها شديد التوتر. أرخيت الأكرة بما استطعت من سخاء. أردت إرجاعها. جرني الخيط المتوتر في اتجاه الزرقة الداكنة. راوغته. جرني. أخذت أمشي جهة اليمين. لان الخيط قليلا. أخذت أرجع الأكرة إلى الخلف. طاوعتني بصعوبة. عاد الخيط إلى التوتر من جديد. أرخيته من جديد، لكن بشح بيّن هذه المرة. كررت العملية عدة مرات. أصبحت بعيدا عن ملابسي، وعن الكتاب المفتوح فوق الرمل. كنت ألهث، وأنظر إلى نقطة محتملة في البحر. وفي الضوء القليل الذي ما زال ينعكس على صفحة الماء، رأيت الشص يقترب مني في خط تكسر المقاومة استقامته. واظبت على الشد وإرجاع الأكرة. خرج الخيط إلى الرمل. خرجت سمكتان ممسكتان بطرفه تتخبطان على الرمل. شعرت بفرح عارم يجتاحني عبر عمودي الفقري. كدت أنسى السمكتين لفرط فرحي بذلك الفرح الذي لم أذقه منذ زمان بعيد. وانشغالي بإيجاد كيفية ما لتأمله.

وددت لو أعرف لماذا طأطأت رأسي عندما رفعت كفي لأطرق باب بشرى. ولم أرفعها إلا عندما سمعت صوت التعجب الذي أبدته من حجم السمكتين المتراقصتين في يدي. استطعت أن أرى فرحي في فرحها الذي كان أكبر من الغابة، ومن البحر. أحسست بأنها تريد أن تقبلني. لكنني – ولو أنها لم تفعل- اكتفيت بما أحسسته. وانتشيت به. ناولتها القصبة والكتاب وسمكة. ومضيت إلى البيت.

أمسكت أمي السمكة من يدي. كانت تبدو شديدة الحزن والإنهاك. لم يكن وجهها قبيحا كما قلت سابقا. لم أر شعرها. بعد قليل من صمت فطري، قلت لها:

-         "رحم الله أبي".  

أخذت تردد الطرف بين السمكة وبيني. ربما أرادت أن تبدأ بلعنة ما اختارتها لي في تلك المناسبة، إلا أن خبطا اشتد على الباب أوقفها. فتحت الباب فانقض علي عدد من رجال الشرطة. أخذوا كلهم يخبطون بعصيهم وقبضاتهم على وجهي وكل أنحاء جسمي. عاثوا في البستان الذي صممته بشرى في بدني. أعادوا إلي الأعطاب التي أصلحتها. أضافوا الكثير الكثير من عندهم. ولما أحكموا قيدي وأخذوا يجرونني إلى خارج الحي، كان يتدلى من السماء المليئة بالنجوم قمر كبير. والجو مفعم بعبق عنبر الليل النفاذ. وبرائحة البحر. وبرائحة بشرى. كانت الدماء تكاد تحجب الرؤية عن عيني. فشعرت بالبرد. ولأول مرة شعرت أنني خائف من المخفر. والتفتّ. رأيت أمي بين الناس تبكي بلا صوت. وفي المنزل الآخر رأيت بشرى عند العتبة. تمسك السمكة في يدٍ، وتلوّح لي بابتسامتها.

       

   

   مرتيل في 27/10/2005  

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : باب التوت | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر